ابن ميثم البحراني
14
شرح نهج البلاغة
أكثريّا ، وبالله التوفيق . 23 - ومن خطبة له عليه السّلام ولَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وخَابَطَ الْغَيَّ - مِنْ إِدْهَانٍ ولَا إِيهَانٍ - فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ - وامْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ - وقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ - فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلًا إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلًا أقول : الإدهان والمداهنة : المصانعة ، والإيهان مصدر أوهنه أي أضعفه ، وخابط الغيّ بلفظ المفاعلة : يخبط كلّ منهما في الآخر . وقد مرّ أنّ الخبط : هو المشي على غير استقامة ، والغيّ : الجهل . ونهجه : أي أوضحه . وعصبه بكم أي علقه بكم وربطه . والفلج الفوز ، والمنحة : العطيّة وفي هذا الفصل ردّ لقول من قال إنّ متابعته عليه السّلام لمحاربيه ومخالفيه ومداهنتهم أولى من محاربتهم فردّ ذلك بقوله : لعمري ما عليّ إلى قوله : ولا إيهان . أي ليس مصانعتهم بواجبة عليّ من طريق المصلحة الدينيّة ، وليسوا بمضعفين لي ، ولا عليّ في قتالهم عجز . وفي ذكره عليه السّلام لهم بصفة مخالفة الحقّ ومخابطة الغيّ والبغي تنبيه للسامعين واستدراج لهم لقيام عذره في قتالهم إذ كانت مقاتلة من هذه صفته واجبة فلا يمكن إنكار وقوعها منه . ثمّ أردف ذلك بأوامر : أوّلها : الأمر بتقوى الله ، وقد علمت أنّ تقوى الله هي خشيته المستلزمة للإعراض عن كلّ مناهيه المبعّدة عنه وهو الزهد الحقيقي كما سبقت الإشارة إليه . الثاني : الأمر بالفرار إلى الله وهو أمر بالإقبال على الله وتوجيه وجه النفس إلى كعبة وجوب وجوده ، واعلم أنّ فرار العبد إلى الله تعالى على مراتب : فأوليها : الفرار عن بعض آثاره إلى بعض كما يفرّ من أثر غضبه إلى أثر رحمته كما قال تعالى حكاية عن المؤمنين في التضرّع إليه « رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ