ابن ميثم البحراني
137
شرح نهج البلاغة
ذكر للعدوّ برذيلتين ، ولأصحابه برذيلتين أمّا الأوليان فكونه قائد غواة ، وكونه قد لبّس عليهم الحقّ بالباطل وأراهم الباطل في صورة الحقّ ، وأمّا الأخريان لكونهم غواتا عن الحقّ ، وكونهم قد انقادوا للباطل عن شبهة حتّى صار جهلهم مركَّبة ، والغرض من ذلك التنفير عنهم ، وقوله : حتّى جعلوا نحورهم أغراض المنيّة غاية لأصحاب معاوية من تلبيسه الحقّ عليهم . وكنّى بذلك عن تصديّهم للموت ، ولفظ الغرض مستعار لنحورهم ، ووجه المشابهة جعلهم لنحورهم بصدد أن تصيبها سهام المنيّة من الطعن والضرب والذبح ووجوه القتل فأشبهت ما ينصبه الرامي هدفا . وهى استعارة بالكناية كأنّه حاول أن يستعير للمنيّة لفظ الرامي . وباللَّه التوفيق . 51 - ومن خطبة له عليه السّلام أَلَا وإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وآذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ - وتَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ - فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا - وتَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا - وقَدْ أَمَرَّ فِيهَا مَا كَانَ حُلْواً - وكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً - فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الإِدَاوَةِ - أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ - لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ - فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ - الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ - ولَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الأَمَلُ - ولَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الأَمَدُ - فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ - ودَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ - وجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ - وخَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الأَمْوَالِ والأَوْلَادِ - الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ - أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ - وحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلًا فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ