ابن ميثم البحراني
119
شرح نهج البلاغة
فيض جوده فاستلزم ذلك وجوب تصريحها بلسان حالها ومقالها بالثناء المطلق عليه ودوام الشكر له وإن من شيء إلَّا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم . وأشار إلى الحالة الثالثة بقوله : ولا مأيوس من مغفرته . تقريرا لقوله تعالى « قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ » ( 1 ) الآية وهى شهادة بشمول ستره وجميل عفوه وغفره لمن جذبت بعقله أيدي شياطينه لتحطَّه إلى مهاوي الهلاك فعجز عن مقاومتها بعد أن كانت له مسكة بجناب اللَّه فضعفت تلك المسكة عن أن تكون منجاة له حال مجاذبته لهواه وإن كان ذلك الغفران متفاوتا بحسب قوّة تلك المسكة وضعفها ، والعقل ممّا يؤيّد ذلك ويحكم بصحّة هذه الشهادة فإنّ كلّ ذي علاقة بجناب اللَّه سيخلص من العقاب وإن بعد خلاصه على ما نطق به البرهان في موضعه ، وذلك يستلزم الاعتراف بالإحسان ودوام الثناء والحمد . ثمّ أشار إلى الرابعة بقوله : ولا مستنكف عن عبادته تقريرا لقوله تعالى لا يستنكفون عن عبادته ولا يستكبرون وقوله « لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ » الآية وكونه تعالى غير مستنكف عن عبادته شاهد عظيم على كمال عظمته وأنّه المستحقّ للعبادة دون ما عداه إذ هو المجتمع للكمال المطلق فلا جهة نقصان فيه إليها يشار فيكون سببا للاستنكاف والاستكبار . وغير ، مع محالّ السلوب الثلاثة بعدها منصوبات على الحال . وقوله : الَّذي لا تبرح فيه رحمة ولا تفقد له نعمة . اعتباران آخران يستلزمان في ملاحظتهما وجوب شكره تعالى . ونبّه بقوله : لا تبرح على دوام رحمة اللَّه لعباده ، وقوله : لا تفقد له نعمة كقوله : ولا مخلوّ من نعمته ، ثمّ أعقب ذلك بالتنبيه على معايب الدنيا للتنفير عنها فذكر وجوب الفناء لها ثمّ حذّر بذكر العيب الأكبر لها الَّذي ترغب مع ذكره وملاحظته من له أدنى بصيرة عن الركون إليها ومحبّة قيناتها وهو مفارقتها الواجبة والجلاء عنها ، ثمّ أردف ذلك بذكر جهتين من جهات الميل إليها :
--> ( 1 ) 39 - 54