ابن ميثم البحراني

117

شرح نهج البلاغة

الَّذي يطلب به إنطاق مادحه بمدحه من الكرم والحميّة والرقّة ونحوها ، فكأنّه قصد إسكات مادحه بهروبه فأزوى عليه ذلك ، وقال : إنّه لم ينطقه بمدحه فكيف يقصد إسكاته بهروبه ، وإن كان العاقل لا يتصوّر منه قصد إسكات مادحه عن مدحه إلَّا أنّه لاختياره الهروب المستلزم لإسكات المادح صار كالقاصد له فنسب إليه . الثاني : أن يكون المراد أنّه قد جمع بين غايتين متنافيتين : إنطاقه لمادحه بفداء للأسرى ، مع إسكاته بهربه قبل تمام إنطاقه . وهو وصف له بسرعة إلحاقه لفضيلته برذيلته حتّى كأنّه قصد الجمع بينهما ، وهذا كما تقول في وصف سرعة تفرّق الأحباب عن اجتماعهم : ما اجتمعوا حتّى افترقوا : أي لسرعة افتراقهم كأنّ الدهر قد جمع لهم بين الاجتماع والافتراق . الثاني : قوله : ولا صدّق واصفه حتّى بكَّته . والمفهوم منه كالمفهوم من الَّذي قبله . قوله : ولو أقام . إلى آخره . لمّا أشار إلى خطأه أردفه بما يصلح جوابا لما عساه يكون عذرا له لو اعتذر وهو توهّمه التشديد عليه في أمر الباقي من المال حتّى كان ذلك الوهم سبب هزيمته ، وفي بعض الروايات : لو أقام لأخذنا منه ما قدر عليه فإن أعسر أنظرناه فإن عجز لم نأخذ بشيء . والأوّل هو المشهور . وباللَّه التوفيق . 44 - ومن خطبة له عليه السّلام الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ - ولَا مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ - ولَا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ - ولَا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ - الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ - ولَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ - والدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ - ولأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلَاءُ - وهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ - وقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ - والْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ - فَارْتَحِلُوا مِنْهَا