ابن ميثم البحراني

10

شرح نهج البلاغة

أحدهما : ببيان أنّهم لا يستغنون عنهم وإن كانوا أصحاب ثروة . فإنّ الرجل لا يستغنى بماله عن أعوان له يذبّون عنه بأيديهم صولة قبائل ، ويدفعون عنه بألسنتهم مسبّة قائل ، بل من المعلوم أنّ أشدّ الناس حاجة إلى الأعوان والأصحاب والمعاضدين هم أكثر الناس ثروة ، وانظر إلى الملوك والمتشبّهين بهم من أرباب الأموال . وأحقّ الناس بعدم الاستغناء عنهم عشيرة الرجل وأصحابه . فإنّهم أعظم الناس شفقة عليه ، وأشدّهم دفاعا عنه وحفظا لجانبه ، وألمّهم لشعثه أي أشدّهم جمعا لمتفرّق حاله ، وأعطفهم عليه إن نزلت به نازلة من فقر ونحوه . وذلك أنّ قربهم منه باعث لدواعي الشفقة عليه . الثاني : التنبيه بذكر غايتي إنفاق المال وجمعه ، وتفضيل أحدهما على الآخر . وذلك قوله : ولسان الصدق يجعله اللَّه للمرء إلخ . فلسان الصدق هو الذكر الجميل بين الناس وهو من غايات البذل والانفاق ، وغاية جمع المال هي توريثه للغير . وأمّا أفضليّة البذل على الجمع فظاهرة من تصوّر هاتين الغايتين . وإنّما رغَّب عليه السّلام في البذل بما يستلزمه من غاية الذكر الجميل بين الناس وإن لم يكن مقصوده من الحثّ على البذل إلَّا مصلحة الفقراء وسداد خلَّتهم ، وتأديب الأغنياء وتعويدهم بالبذل والنزول عن محبّة المال . لأنّ توقّع الذكر الجميل من الناس أدعى إلى البذل وأكثر فعلا في النفوس من الغايات الَّتي يقصدها عليه السّلام . وذلك من الاستدراجات الحسنة . حتّى إذا انفتح باب البذل وتمرّنت النفوس عليه وجدت أنّ أولى المقاصد الَّتي يصرف فيها المال هي المقاصد الَّتي يقصدها الشارع ويحّث عليها من سدّ خلَّة الفقراء الَّتي ينتظم بها شمل المصلحة ويتّحد الناس بعضهم ببعض خصوصا العشيرة . فإنّه من الواجب في السيرة العادلة الَّتي بها صلاح حال الإنسان في الدارين أنّه لمّا كان لا غناء له عن عشيرته وأصحابه ، وكان إكرامهم ومواساتهم بالمال هو الَّذي يؤكَّد الانتفاع بهم ويستحقّونه في مقابلة حفظهم لجانبه وحياطتهم له فبالحريّ أن يجب مواساتهم وإكرامهم بما ينتظم أحوالهم من فضل المال ، وكفى بذكر غاية جمع المال وهى توريث الغير المستلزمة لذكر هادم اللذّات باعثا على بذل المال والنزول عن محبّته وجمعه لمن لمح بعين بصيرته عاقبة أمره . وباللَّه التوفيق .