ابن ميثم البحراني
80
شرح نهج البلاغة
المرتبة له ، الثالث قوله عليه السّلام : إلهي ما عبدتك خوفا من عقابك ولا رغبة في ثوابك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ، وجه الاستدلال أنّه حذف كلّ قيد دنياويّ وأخرويّ عن درجة الاعتبار سوى الحقّ تعالى وذلك مما يتحقّق له الوصول ، وممّا يؤيّد ذلك إنّا سنبّين إنشاء اللَّه تعالى تمكنّه عليه السّلام من الكرامات وصدورها عنه وذلك من خواصّ الواصلين . البحث الثاني في بيان كماله في قوّته العلميّة وكما علمت أنّ كمال القوّة النظريّة إنّما هو باستكمال الحكمة النظرية فكذلك كمال القوة العمليّة إنّما هو باستكمال الحكمة العمليّة وهي استكمال النفس بكمال الملكة التامّة على الأفعال الفاضلة حتّى يكون الإنسان ثابتا على الصراط المستقيم متجنّبا لطرفي الإفراط والتفريط في جميع أفعاله ثمّ قد ثبت في علم الأخلاق أنّ أصول الفضائل الخلقيّة ثلاثة أحدها الحكمة الخلقيّة وهي الملكة الَّتي تصدر عنها الأفعال المتوسطة بين الجريزة والغباوة الَّذين هما طرفا الإفراط والتفريط ، وأنت تعلم من تصفح أفعاله وأقواله وتدابيره في أمور الحرب ونظام أمور العالم ما تضطرّ معه إلى الحكم بأنّه كان مستلزما لهذه الفضيلة وغير واقف دونها في حدّ الغباوة ولا متجاوز لها إلى طرف الجربزة لأنّ خبث المتجربز يمنعه عن الترقّي إلى درجة الكمال ويأبى طبعة إلَّا الشرّ ، وثانيها العفّة وهي الملكة الصادرة عن اعتدال حركة القوّة الشهويّة بحسب تصريف العقل العملي لها على قانون العدل وبها تصدر الأفعال المتوسطة بين الجمود والفجور الَّذين هما طرفا الإفراط والتفريط ونبيّن أنّ هذه الملكة كانت ثابتة له عليه السّلام من وجهين الأوّل أنّه كان أزهد الخلق في الدنيا بعد الرسول صلى اللَّه عليه وآله وفيما عدا القبلة الحقيقية وأقدر على حذف الشواغل الملغية عن لقاء اللَّه وكلّ من كان كذلك كان مالكا لهواه مصرّفا لشهوته بيد عقله أمّا المقدّمة الأولى فمعلومة بالتواتر ، وأمّا الثانية فضروريّة أيضا ، الثاني قول النبيّ صلى اللَّه عليه وآله : أللَّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار ، ولا شكّ في استجابة دعائه ومن كان الحقّ لازما لحركاته وتصرّفاته استحال أن يلزمها باطل لأنّ الأمر الواحد لا يلزمه لا زمان مختلفان فاستحال أن يكون متّبعا للهوى ألبه وهو معنى العفّة ، وممّا يؤكَّد حصول هذه الملكة ما روي أنّه عليه السّلام ما شبع من طعام قط وأنّه كان من أخشن الناس ملبسا ومأكلا يقنع بقرص الشعير