ابن ميثم البحراني
71
شرح نهج البلاغة
والمغالطة بها للإقناع فيستعمل الضدّان في ايجاب كلّ واحد من النقيضين كقولك اسكت في المحافل لأنّك إن صدقت أبغضك الناس وإن كذبت أبغضك اللَّه ثمّ تقول تكلَّم في المحافل لأنّك إن صدقت أحبّك اللَّه وإن كذبت أحبّك الناس ، والمقابلة هاهنا إن أفادت إقناعا كانت من صناعة الخطابة مثالها إمّا من باب اشتراك الاسم كقولك بالذهب يبصر الإنسان لأنّه عين ، أو من باب تركيب المفصّل كقولك فلان شاعر جيّد فيوهم ذلك التركيب مدح الشعر بالجودة والتقدير فلان جيّد ، أو من باب وضع ما ليس بعلَّة علَّة كما يقال فلان مبارك القدم لأنّه مع قدومه تيسّر كذا ، أو من باب المصادرة على المطلوب كما يقال زيد يشرب الخمر فيقال لأنّ أخاه يشرب الخمر ، وأمّا إن لم يوقع إقناعا كما يقال فلان لم يذنب باختياره لأنّه زنا وهو سكران لم يكن من صناعة الخطابة وباللَّه التوفيق . البحث السادس في تحسينات الخطابة : الأمور المحسنة للخطابة إمّا أن تتعلَّق بالألفاظ وإمّا أن تتعلَّق بالترتيب وإمّا أن تتعلَّق بهيئة الخطيب ، أمّا الأوّل فاعلم أنّ تحسين الألفاظ في الخطابة عظيم النفع فإنّ جزالة اللفظ توهم جزالة المعنى وركاكة اللفظ تذهب ذوق المعنى ، ومحسنات اللفظ أمور الأوّل أن يكون اللفظ فصيحا عذبا غير ركيك صرف العاميّة ولا متين مرتفع عن أن يصلح المخاطبة الجمهور لأنّ الطباع العاميّة تنفر عن العبارة العلميّة ولا ملحون لأنّ اللحن يهجن كلام ويرد له ، وهذه الاعتبارات موجودة في كلام عليّ عليه السّلام كثير ، الثاني أن يراعى تمام الرباطات وهى الحروف الَّتي يقتضي ذكرها أن تكرّر كقوله عليه السّلام في صفة الملائكة : منهم سجود لا يركعون ومنهم ركوع لا يسجدون وكذلك باقي الأقسام فلو لم يحصل التكرار هاهنا لنقص الكلام وكذلك قوله عليه السّلام : المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر إحدى الحسنيين إمّا داعى اللَّه فما عند اللَّه خير له ، وإمّا رزق اللَّه وإذا هو ذو أهل ومال . أللَّهم إلَّا أن يكون تكراره معلوما كقوله عليه السّلام في كثير من خطبه أمّا بعد ، فإنّ هذا الجزء مسبوق بأمّا قبل وإن لم يذكر لوضوحه ، الثالث أن لا يباعد ما بين الرباطين بحشو دخيل ينسى الوصلة بينهما ، الرابع أن يراعى حقّه من التقديم والتأخير فإنّ تأخير الشرط عن المشروط وتقديم لأنّ على الدعوى قبيح سمج ، وبعض هذه الأحكام قد يختصّ ببعض اللغات ، الخامس أن يزيّن