ابن ميثم البحراني
65
شرح نهج البلاغة
البحث الرابع في أقسام الخطابة بحسب أقسام أغراضها : واعلم أنّ جميع المغارضات الخطابيّة ثلاثة مشاورة ومنافرة ومشاجرة ولكلّ واحد من هذه الأقسام غرض خاصّ . أمّا المشورة فهي مخاطبة يراد بها الإقناع في أنّ الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل لنفعه وأنّ الأمر الفلاني لا ينبغي أن يفعل لضرره ، وأمّا المنافرة فمخاطبة يراد بها الإقناع في مدح شيء بفضيلته أو ذمّه بنقيصته ، وأمّا المشاجرة فمخاطبة يراد بها الإقناع في شكاية ظلم أو اعتذار بأنّه لا ظلم ، وربّما لم يقع الاعتذار في وقوع الأمر نفسه ولكن في كونه نافعا أو ضارّا أو ظلما أو غير ظلم كاعتذار الظالم أو من ينصره بأنّ الَّذي يعلمه ليس بظلم أو باعتذار المذموم بأنّ الَّذي فعله ليس بنقيصة أو أنّه فضيلة . أمّا المشورة إنّما هي مشورة بسبب إقناعها في أمر هو نافع بالحقيقة فإنّه قد لا يكون نافعا بالحقيقة ولا عند المشير لكنّه إن تبيّن أنّه نافع رام الإقناع به فيكون المخاطبة مع ذلك مشورة ، وقد لا يكون المشورة بالنافع بل بالجميل الَّذي ربّما كان في العاجل ضارّ أوله نفع من جهة أخرى وكذلك المدح والذمّ ولا يلاحظ فيه دائما النافع والضارّ حتّى يكون المدح بالنافع والذّم بالضارّ بل ربّما كان المدح أيضا كاقتحام الأذي والضرر والركوب الأهوال للذكر الجميل فإنّه يشاربه ويمدح فاعله ويعظَّم كالَّذين يقاتلون في سبيل اللَّه فيقتلون ويقتلون وكثيرا ما يحمد العاقل بايثار الموت على الحياة ، والأمور المشوريّة عظيمة تبتني عليها الشرائع والسنن والسياسات ، وأقسام الأمور المشوريّة العظيمة التامّة النفع دون الجزئيّات النافعة بحسب أحوال الأشخاص خمسة العدّة والحرب والسلم وحماية المدنيّة ومراعاة أمر الدخل والخرج وتفريع الشرائع ووضع المصالح ، والخطيب المشير في أمر العدّة ينبغي أن يكون بصيرا بجنس ارتفاع المدنيّة وكميّته النفقات إذا جرت على القسط ليوازي الدخل الخرج ويشير بنفي البطالة عن حرفة تعود بنفع المدنيّة وبالحجر على المسرف وتوقيفه على القدر العادل ويتحفظ بجزئيّات الأخبار وبالعوائد التجربيّة لأنّها تذاكير وأمثال ، وعلى المشير في أمر الحرب بعد أن يكون له بصيرة بأنواع الحروب وسماع أخبار المتقدّمين من المقاتلة في مدنيّته وما بليها ورسومهم ومذاهبهم أن يحيط به علمه خيرا بمدنيّته ومحاربيها وعدّتهم وعددهم ودريتهم بالحرب وعادتهم ونقاء دخيلة قومهم وصفاء نيّتهم أو ضدّ ذلك ويوقع نظيره