ابن ميثم البحراني

42

شرح نهج البلاغة

أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى تريد أنّك في تردّدك كمن يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى وقد لا يكون كما إذ أبرزت ألفاظ التشبيه كقوله تعالى « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ » الآية ، وأمّا المثل فهو تشبيه سائر أي يكثر استعماله على معنى أنّ الثاني بمنزلة الأوّل والأمثال كلَّها حكايات لا تغيّر لأنّ ذكرها على تقدير أن يقال في الواقعة المعيّنة إنّها بمنزلة ما يقال فيه هذا القول كقولك لمن لم يسمع رأيك لا يطاع لقصير أمر . ألا ترى أنّك تقول ذلك بالألفاظ الَّتي قالها منشيء هذا المثل ولو غيّرت هذه الألفاظ لم يسمّ مثلا . الفصل الرابع في الاستعارة وفيه ثلاثة أركان . الركن الأوّل في حقيقتها وأحكامها وفيه أبحاث . البحث الأوّل - أجود ما قيل في حدّ الاستعارة إنّها استعمال اللفظ في غير ما اصطلح عليه في أصل المواضعة الَّتي بها التخاطب لأجل المبالغة في التشبيه ، وبالقيد الأوّل احترزنا عن الحقائق الثلاث اللغويّة والعرفيّة والشرعيّة وبقولنا لأجل المبالغة في التشبيه عن سائر وجوه المجاز ، وأعلم أنّ المستعار وإن كان صفة للفظ إلَّا أنّه صفة للمعنى أوّلا فإنّ المعنى أوّلا يعار ثمّ بواسطته يعار اللفظ . بيانه من وجهين أحدهما أنّه حيث لا يكون نقل الاسم تابعا لنقل المعنى تقديرا لم يكن ذلك استعارة كالأعلام المنقولة فإنّك إذا سمّيت إنسانا بيزيد أو يشكر فإنّه لا يقال لهذه الألفاظ مستعارة إذا لم يكن نقلها تبعا لنقل معانيها تقديرا ، الثاني أنّ العقلاء يجزمون بأنّ الاستعارة أبلغ من الحقيقة فإن لم يكن نقل الاسم تبعا لنقل المعنى لم يكن فيه مبالغة إذ لا مبالغة في إطلاق الاسم المجرّد عاريا عن معناه . البحث الثاني الفرق بين الاستعارة والتشبيه : إنّ التشبيه حكم إضافيّ يستدعي مضافين وليس الاستعارة كذلك فإنّك إذا قلت رأيت أسدا لم يذكر شيئا آخر حتّى تشبّه بالأسد فلم يكن ذلك تشبيها بل أعطى المعنى لفظا ليس له لأجل المشابهة بينه وبين معناه الأصلي وما هو لأجل شيء آخر لا يكون نفس ذلك الشيء ، واعلم أنّه متى قوّيت المشابهة بين الشيئين كان التصريح بالتشبيه قبيحا وذلك لقرب الشبه من حقيقة المشبّه به مثاله إطلاق لفظ النور على العلم والإيمان والظلم على الكفر والجهل فلا يحسن هاهنا