ابن ميثم البحراني
37
شرح نهج البلاغة
متقدّمة في التصوّر على مقتضاها فكانت الصفة المحسوسة أتمّ في التشبيه من الأمر المعقول البحث الخامس في تقسيم ما به المشابهة إلى المفرد والمركَّب : المشابهة إمّا أن يكون في أمر واحد أو في أمور كثيرة والأوّل إمّا أن لا يكون مقيّدا بالنسبة إلى شيء أو يكون فالأوّل كتشبيه الكلام بالعسل في أنّ كلّ واحد منهما يوجب للنفس لذّة وحالة محمودة وأمّا الثاني فما إليه الانتساب أربعة أمور إمّا المفعول به فكقولهم أخذ القوس باريها لأنّ المقصود وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهله وهذا لا يحصل من الأخذ المطلق ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من بارئ القوس عليه ، وإمّا إلى ما يجري مجرى المفعول به وهو الجارّ والمجرور كقولهم لمن يفعل ما لا يفيد هو كالراقم على الماء فالتشبيه ليس بمنتزع من الرقم المطلق بل منه على الماء ، وإمّا إلى الحال كقولهم كالحادي ليس له بعير أي الحادي حال ما لا يكون له بعير ، وإمّا إلى المفعول به والجارّ والمجرور معا كقولهم هو كمن يجمع السيفين في غمد وهو كمن ينثر الجوز على القبّة فالجمع المعدي إلى السيفين لا يكفي في التشبيه ما لم يشترط كونه جامعا لهما في الغمد ومنه قوله تعالى « كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً » فإنّه تضمّن التشبيه من اليهود لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل المطلق بل لأمرين آخرين أحدهما تعديته إلى الأسفار والآخر اقتران الجهل بما فيها لأنّ الغرض توجيه الذمّ إلى من أتعب نفسه بحمل ما يتضمّن المنافع العظيمة ثمّ لم ينتفع به بجهله وهذا المقصود لا يحصل من الحمل المطلق بل منه مشروطا بالشرطين الآخرين ثمّ إذا كان ما به المشابهة وصفا مقيّدا فقد يمكن إفراد أحد جزئيه بالذكر وقد لا يمكن أمّا الأوّل فكقوله . فكأنّ أجرام النجوم لوامعا * درر نثرن على بساط أزرق فإنّك لو قلت كأنّ النجوم درر وكأنّ السماء البساط أزرق كان التشبيه معقولا وإن تغيّر المعنى المراد للقائل إذ مقصوده من التشبيه هاهنا ذكر الأمور العجيبة من طلوع النجوم مؤتلقة مفترقة في أديم السماء وهى زرقاء زرقتها الصافية والنجوم تتلألأ في تلك الزرقة ومعلوم أنّ هذا المقصود لا يبقى إذا فرقّ التشبيه وأمّا الثاني فكقوله . كانّما المرّيخ والمشتري * قدّامه في شامخ الرفعة منصرف بالليل عن دعوة * قد أسرجت قدّامه الشمعة