ابن ميثم البحراني
32
شرح نهج البلاغة
معناها فقد توصف بالمجاز لنقلها عن حكم كان لها إلى حكم ليس هي بحقيقة فيه كقوله تعالى « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » والتقدير واسأل أهل القرية والَّذي يستحقّه في الأصل الجرّ ، والنصب فيها مجاز ، وفيه نظر لأنّ الإعراب لا يراعى فيه صدق النسبة وكذبها والمطابقة وعدمها فإنّك لو قلت لمست السماء كان السماء مفعولا به للفعل المتقدّم ويستحقّ النصب حقيقة وكذلك القرية هاهنا تستحقّ النصب حقيقة بالمفعولية أمّا أنّ النسبة في نفسها صادقة أم لا فذاك بحث آخر بل الحقّ أنّه مجاز في التركيب والنسبة فإنّ نسبة السؤال إلى أهل القرية حقيقة فيكون إليها مجازا وإن قطعنا النظر عن مباحث النحاة أمكن أن يكون الحقّ ما قاله الإمام ، وأمّا المجاز بسبب الزيادة فالحقّ أنّ الزيادة إنّ غيّرت معنى الكلام الَّذي يتمّ بدونها ولا يحتاج فيه إليها كقوله تعالى « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فالمجاز حاصل في النسبة إذ كانت نسبة النفي إلى من ليس له وإن لم تغيّر كما في قوله تعالى « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ الله » ( 1 ) لم يتصوّر المجاز هاهنا ( يب ) إطلاق اسم المتعلَّق على المتعلَّق كتسمية المقدور قدرة . البحث الخامس المجاز بالذات لا يدخل إلَّا على أسماء الأجناس وبيانه أمّا الحرف فلأنّ معناه في غيره فإن ضمّ على حقيقة فهو حقيقة أو إلى مجاز كان مجازا في التركيب فلم يدخله بالذات ، وأمّا الفعل فلأنّ معناه مركَّب من المصدر وغيره فما لم يكن المصدر متجوّزا به لم يكن الفعل كذلك فكان داخلا فيه بالعرض ، وأمّا الاسم فإمّا علم ولا يدخله المجاز لأنّه مشروط بالعلاقة بين الأصل والفرع وليست موجودة في الأعلام أو مشتقّ ومعلوم أنّه لولا تطرّق المجاز إلى المشتّق منه لم يتطرّق إلى المشتقّ فلم يبق إلَّا أسماء الأجناس . البحث السادس في الداعي إلى التكلَّم بالمجاز : العدول إلى المجاز إمّا لأجل اللفظ أو المعنى أولهما أمّا الأوّل فإمّا لأجل جوهر اللفظ أو لأحوال عارضة له أمّا الأوّل فأن يكون اللفظ الدالّ بالحقيقة ثقيلا على اللسان إمّا لثقل أجزائه أو لتنافر تركيبه أو لثقل وزنه ويكون المجاز عذبا وأمّا الثاني فأن يكون المجاز صالحا للشعر أو للسجع وأصناف البديع دون الحقيقة وأمّا الَّذي لأجل المعنى فقد يقصد المجاز لتعظيم ليس في الحقيقة كما يقال سلام على المجلس السامي أو لتحقير يكون فيها كما يعبّر بالغائط عن قضاء الحاجة
--> ( 1 ) 3 - 153 .