ابن ميثم البحراني

مقدّمة 11

شرح نهج البلاغة

دع الشرق وول وجهك نحو الغرب تراه في مثل ما فيه الشرق أو أشد . مات صلاح الدين يوسف سنة 589 وقسم ملكه بين أبنائه الثلاثة وأخيه الملك العادل أبي بكر ، ومات العادل سنة 615 وورث ملكه أبنائه الخمسة ، وكانت البغضاء بينهم في غاية الشدة ، والفتنة قائمة على الساق ، وكلما يرث الأبناء ملك الآباء يرثونه مع تلك العداوة والبغضاء . وقسم صاحب الروم قلج أرسلان السلجوقي ملكه في حياته بين أبنائه الثمانية وابن أخ له ، ولم يمت إلا ورأى السيف بينهم مسلول ، وكان هو نفسه عاشر العشرة في النزاع والفتنة . وكان اختلاف الكلمة بين ملوك مغارب ممالك الإسلام هو الذي أدى إلى اشتداد كارثة متفيئي ظل الصليب وجرأتهم حتى استنفروا بخيلهم ورجلهم وقضوا على العباد وحكموا البلاد وأكثروا فيها الفساد واستولوا على كثير من مدن آسيا الصغرى . وقد يحرجهم الاختلاف إلى الالتجاء بالأعداء ، والركون إلى الذين سفكوا دماء الآباء ، والاستعانة بهم وإعانتهم على السفك والقتل . والمحصل أن الناس بين المشرق والمغرب يدفرهم عيث التتار ويدغمهم الإفرنج ، ومن سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة على الساق . فما ظنك بالعائش في عصر يرى مثوى العباد مسعى الفساد ، وأعزة الأهل أذلة : ضحايا نبال الظلم وسبايا يده . وما ظنك فيمن امتلئت حياته من متكدسات الأشواك بعضها فوق بعض لو رام زهرتها لم يكد يجنيها . لو أنصفت لرأيت سلاسل موانع تأخذ قوة العمل وتعطى خيبة الأمل إلا من دعاة لهم قلوب اطمأنت بذكر الله فناموا يجاهدون في سبيله بمهجهم ودمائهم أو بلسانهم ومدادهم . مما يحز النفس ويبعث الأسف أن المعتنين بضبط أحوال رجال العلم والفضل ما اعتنوا بحفظ دقائق تراجم الكثيرين منهم حق الرعاية والاعتناء ، واكتفوا بالجرح والتعديل كي يؤخذ بمروياتهم في استنباط الأحكام الشرعية أم لا ، وترى في كثير من كتب التراجم الإهمال