ابن ميثم البحراني
112
شرح نهج البلاغة
في المعدة إلي تمام نضجه وحصول الغرض منه ، والثالث موكَّل بطبخه وتنضيجه ، والرابع موكَّل بتفريق صفوته وخلاصته في البدن سدّ البدل ما يتحلَّل منه ، والخامس موكَّل بالزيادة في أقطار الجسم على التناسب الطبيعي بما يوصله إليه الرابع فهما كالباني والمناول ، والسادس موكَّل بفصل صورة الدم من الغذاء ، والسابع الَّذي يتولَّى دفع الفضلة الغير المنتفع بها عن المعدة ، ثمّ وكَّل تعالى خمسة أخرى في خدمته شأنهم أن يوردوا عليه الأخبار من خارج ، وجعل لكلّ واحد منهم طريقا خاصّا وفعلا خاصّا به ، وجعل لهم رئيسا يبعثهم ويرجعون إليه بما عملوه ، وجعل لذلك الرئيس خازنا كاتبا يضبط عنه ما يصل إليه من تلك الأخبار ، ثمّ جعل بين هذا الخازن وبين الخازن الأوّل ملكا قويّا على التصرف والحركة سريع الانتقال بحيث ينتقل في اللحظة الواحدة من المشرق إلى المغرب ومن تخوم الأرض إلى السماء العليا قادرا على التصرّفات العجيبة ، وجعله مؤتمرا للوزير تارة وللحاجب أخرى وهو موكَّل بتفتيش الخزانتين ومراجعة الخازنين بإذن الوزير واسطة الحاجب إذا أراد استعلام أمر من تلك الأمور ، فهذه الملائكة الَّتي خصّ اللَّه تعالى بها بدنه وجعلها أقرب الملائكة المتصرفين في خدمته إليه ، ثمّ إنّ وراء هؤلاء أطوارا أخر من الملائكة الأرضيّة كالملائكة الموكَّلين بأنواع الحيوانات الَّتي ينتفع بها الإنسان وبها تكون مسخّرة له وأنواع النبات والمعادن والعناصر الأربعة والملائكة السماوية الَّتي لا يعلم عددهم إلَّا اللَّه سبحانه وتعالى كما قال « وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ » ( 1 ) فإنّ كلّ واحد منها موكَّل بفعل خاصّ وله مقام خاصّ لا يتعدّاه ولا يتجاوزه كما قال تعالى حكاية عنهم « وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ » ( 2 ) وهم بأسرهم متحرّكون بمصالح الإنسان ومنافعه من أوّل حياته إلى حين وفاته بإذن المدبّر الحكيم دع ما سوى الملائكة من سائر الموجودات في هذا العالم المشتملة على منافعه وما أفاض عليه من القوّة العقليّة الَّتي هي سبب الخيرات الباقية والنعم الدائمة الَّتي لا تنقطع موادّها ولا يتناهى تعدادها فإنّ كلّ ذلك في الحقيقة نعم إلهيّة ومواهب ربانيّة للعبد بحيث لو اختلّ شيء منها لاختلَّت منفعته من تلك الجهة ، ومعلوم أنّه لو قطع وقته أجمع
--> ( 1 ) 74 - 34 ( 2 ) 37 - 164