ابن ميثم البحراني

110

شرح نهج البلاغة

وقد بيّنا أنّ الحمد يفيد معنى الشكر ويفيد ما هو أعمّ من ذلك وهو التعظيم المطلق وبجميع أقسامه مراد هاهنا لكون الكلام في معرض التمجيد المطلق . قوله الَّذي لا يبلغ مدحته القائلون . قوله الَّذي لا يبلغ مدحته القائلون . أقول أراد تنزيهه تعالى عن إطَّلاع العقول البشريّة على كيفيّة مدحه سبحانه كما هي ، وبيان هذا الحكم أنّ الثناء الحسن على الشيء إنّما يكون كما هو إذا كان ثناء عليه بما هو كذلك في نفس الأمر ، وذلك غير ممكن في حقّ الواجب الوجود سبحانه إلَّا بتعقّل حقيقته وما لها من صفات الجلال ونعوت الكمال كما هي وعقول البشر قاصرة عن هذا المقام فالقول وإن صدر عن المادحين بصورة المدح المتعارف بينهم وعلى ما هو دأبهم من وصفه تعالى بما هو أشرف من طرفي النقيض فليس بكمال مدحه في نفس الأمر لعدم اطَّلاعهم على ما به يكون المدح الحقّ في حقّه تعالى وإن تصوّر بصورة المدح الحقّ وأشار إلى تأديب الخلق وتنبيههم على بطلان ما تحكَّم به أوهامهم في حقّه تعالى من الصفات وأنّه ليس الأمر كما حكمت به إذ قال في موضع آخر ، وقد سأله بعضهم عن التوحيد فقال : التوحيد أن لا تتوهّمه ، فجعل التوحيد عبارة عن سلب الحكم الوهميّ في حقّه تعالى فاستلزم ذلك أنّ من أجرى عليه حكما وهميّا فليس بموحّد له على الحقيقة ، وإلى هذا النحو أشار الباقر محمّد بن عليّ عليه السّلام مخاطبا وهل سمّى عالما قادرا إلَّا لأنّه وهب العلم للعلماء ، والقدرة للقادرين فكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدّق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ، والباري تعالى واهب الحياة ومقدّر الموت ، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أن للَّه تعالى زبانيين كما لها فإنّها تتصوّر أنّ عدمها نقصان لمن لا يكونان له ، فهكذا شأن الخلق فيما يصفون به بآرائهم فإنّ أوهامها حاكمة له بكلّ ما يعدّونه كمالا في حقّهم ما لم تقو عقولهم على ردّ بعض تلك الأحكام الوهميّة ولولا رادع الشرع كقوله عليه السّلام تفكَّروا في الخلق ولا تتفكَّروا في الخالق لصرّحوا بكثير من تلك الأحكام في حقّه سبحانه وتعالى عمّا يصفون ، ويحتمل أن يكون المراد تنزيهه تعالى عن بلوغ العقول والأوهام تمام الثناء الحسن عليه وإحصائه أتي أنّ العبد كان كلَّما بلغ مرتبة من مراتب المدح والثناء كان ورائها أطوار من استحقاق الثناء والتعظيم أعلى كما أشار إليه سيّد المرسلين