ابن ميثم البحراني

108

شرح نهج البلاغة

اللغة يطلق على معان ، منها العادة ، ومنها الإذلال يقال دانه أي أذّله وملَّكه ومنه بيت الحماسة دنّاهم كما دانوا ، ومنها المجازاة كقوله تعالى « إِنَّا لَمَدِينُونَ » أي مجزيّون ، والمثل المشهور كما تدين تدان ، ومنها الطاعة يقال : دان له أي أطاعه كقول عمرو بن كلثوم : عصينا لملك فينا أن تدينا ، ويطلق في العرف الشرعي على الشرائع الصادرة بواسطة الرسل عليهم السّلام وقرنه أي جعل له قرينا والمقارنة الاجتماع مأخوذ من قرن الثور وغيره ومنه القرن للمثل في السنّ وكذلك القرن من الناس أهل الزمان الواحد قال إذا ذهب القرن الَّذي أنت فيهم * وخلَّفت في قرن فأنت قريب والمزائلة المفارقة وهي مفاعلة من الطرفين والمتوحّد بالأمر المنفرد به عمّن يشاركه فيه ، والسكن بفتح الكاف كلّ ما سكت إليه ، والاستيناس بالشيء ميل الطبع إليه وسكون وكذلك التأنّس ومنه الأنيس وهو المؤنس ، والاستيحاش ضدّ الاستيناس وهو نفرة الطبع بسبب فقد المؤانس ، واعلم أنّا نفتقر في بيان نظام كلامه عليه السّلام في هذا الفصل إلى تقديم مقدّمة فنقول : الصفة أمر يعتبره العقل لأمر آخر ولا يمكن أن يعقل إلَّا باعتباره معه ، ولا يلزم من تصوّر العقل شيئا لشيء أن يكون ذلك المتصوّر موجودا لذلك الشيء في نفس الأمر بيان ذلك ما قيل في رسم المضاف : إنّه الأمر الَّذي تعقّل ماهيّته بالقياس إلى غيره وليس له وجود سوى معقوليّته بالقياس إلى ذلك الغير ، والصفة تنقسم باعتبار العقل إلى حقيقيّة وإضافيّة وسلبيّة ، وذلك لأنّ نسبة العقل للصفة إلى غيرها إمّا أن يعقل معها نسبته من المنسوب إليه أو لا يعقل فإن كان الأوّل فهو المضاف الحقيقيّ وحقيقته أنّه المعقول بالقياس إلى غير يكون بإزائه يعقل له إليه نسبة ولا يكون له وجود سوى معقوليّتة بالقياس إليه ككونه تعالى خالقا ورازقا وربّا فإنّ حقيقة هذه الصفات هي كونها معقولة بالقياس إلى مخلوقيّة ومرزوقيّة ومربوبيّة موازية ، وإن كان الثاني فالمنسوب إليه إمّا أن يكون موجودا للمضاف أوليس بموجود له ، والأوّل هو الصفات الحقيقيّة ككونه تعالى حيّا فإنّه أمر يعقل بالقياس إلى صحّة العلم والقدرة له وليس بإزاء أمر يعقل منه نسبة إليه ، والثاني هو الصفات السلبيّة ككونه تعالى ليس بجسم ولا بعرض وغيرها فإنّها أمور تعقل له بالقياس إلى أمور غير موجودة له تعالى ثمّ نقول : إنّه لا يلزم من