ابن ميثم البحراني
88
شرح نهج البلاغة
الأنبياء عن غيرهم ولا شكّ أنّ اختصاصهم به إنّما هو لشدّة اتّصالهم فإذن هم أشدّ اتّصالا بالمبدأ الأوّل ، وأكمل قوّة من غيرهم ، وكذلك اختلاف مراتبهم عائد أيضا إلى تفاوت نفوسهم في قربها من البدء واتّصالها به ، وأمّا باقي الخصال فقد يشاركهم فيها الأولياء ويجتمع فيهم ، وإلى هذا المعنى أشار النبيّ صلى اللَّه عليه وآله بقوله : علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل ، وكان التفاوت بين المعجزة والكرامة إنّما يرجع إلى أنّ الخصال المذكورة إن صدرت عمّن له الشرط الأوّل سمّيناها معجزا وإن صدرت عن غيرهم كانت في حقّه كرامة وتحقيق هذه المباحث مبنىّ على مقدّمات وأصول ليس هذا موضع ذكرها فليطلب ذلك من مظانّها وباللَّه التوفيق . المقام الثاني في وقوع الفعل الخارق عنه عليه السّلام - واعلم أنّ الطريق إلى ذلك هو النقل ، وقد نقل عنه ذلك في صور ثبت بعضها بحسب التواتر وبعضها بخبر الآحاد فمن الأمور الخارقة المنقولة عنه بحسب التواتر فعله لباب خيبر لما انتهى إليه وكان من صخرة واحدة يعجز الجماعة عن تحريكه ، وروى في كيفيّة حاله في ذلك أنّه لمّا اقتلعه رمى به أذرع واجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم أن عادوه إلى مكانه ، وروى أنّه قال : عالجت باب خيبر وجعلته مجنّا لي وقاتلت فلمّا أخزاهم اللَّه وضعت الباب على حصنهم طريقا ثمّ رميت به في خندقهم فقال له رجل : لقد حملت يا أمير المؤمنين منه ثقلا فقال : ما كان إلَّا مثل جنّتي الَّتي في يدي في غير ذلك المقام ، ومعلوم أنّ ذلك لم يصدر عن قوّة بدنيّة وإلَّا لقدر على ذلك من هو أقوى صورة منه ولذلك قال عليه السّلام : ما قلعت باب خيبر بقوّة جسدانيّة ولكن قلعته بقوّة ربانيّة ، وللشعراء في هذه الآية أشعار كثيرة ، والقصّة مشهورة فهذا القدر يكفينا في بيان فضائله عليه السّلام وعليك في باقي الأمور المنقولة عنه في ذلك بالكتب المصنّفة في بيان معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء ، ولقد اجتهد بنو أميّة في إخفاء فضائله وإطفاء نوره بالتحريف ووضع المعايب والمثالب حتّى سبّوه على جميع المنابر ، ومنعوا أن يروى حديث يتضمّن له فضيلة وأن يسمّى باسمه أحد فلم يزدد بذلك الإخفاء إلَّا ظهورا ، ولم يثمر ذلك الإطفاء إلَّا نورا « ويأبى اللَّه إلَّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون » وكان مولده عليه السّلام قبل ظهور دعوة النبيّ صلى اللَّه عليه وآله بثلاث عشرة سنة ، وقيل إثنى عشرة سنة وقيل عشر سنين ، وقتل ليلة الجمعة لثلاث