الآلوسي
8
تفسير الآلوسي
على الأصل ، وأصل تعدوا في القراءة المشهورة - تعدوا - بواوين الأولى واو الكلمة والثانية ضمير الفاعل فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول - وهو الواو الأولى - وبقي ضمير الفاعل . * ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَليظاً ) * أي عهداً وثيقاً مؤكداً بأن يأتمروا بأوامر الله تعالى وينتهوا عن مناهيه ، قيل : هو قولهم : سمعنا وأطعنا وكونه * ( ميثاقاً ) * ظاهر ، وكونه * ( غليظاً ) * يؤخذ من التعبير بالماضي ، أو من عطف الإطاعة على السمع بناءاً على تفسيره بها ، وفي أخذ ذلك مما ذكر خفاء لا يخفى ، وحكي أنهم بعد أن قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد ، فإن صح هذا كانت وكادة الميثاق في غاية الظهور ، وزعم بعضهم أن هذا الميثاق هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به ، وهو المذكور في قوله تعالى : * ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ) * ( آل عمران : 81 ) الآية ، وكونه * ( غليظاً ) * باعتبار أخذه من كل نبي نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأخذ كل واحد واحد له من أمته فهو ميثاق مؤكد متكرر ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه السياق . . * ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) * . * ( فَبمَا نَقْضهم مِيثاقَهُمْ ) * في الكلام مقدر والجار والمجرور متعلق بمقدر أيضاً ، والباء للسببية و ( ما ) مزيد لتوكيدها ، والإشارة إلى أنها سببية قوية ، وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام كما يفيده التقديم على العامل إن التزم هنا ، وجوز أن تكون - ما - نكرة تامة ، ويكون نقضهم بدلاً منهما أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم ، وإن شئت أخرت العامل . واختار أبو حيان عليه الرحمة تقدير لعناهم مؤخراً لوروده مصرحاً به كذلك في قوله تعالى : * ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) * ( المائدة : 13 ) وجوز غير واحد تعلق الجار - بحرمنا - الآتي على أن قوله تعالى : * ( فبظلم ) * ( النساء : 160 ) بدل من قوله سبحانه : * ( فبما نقضهم ) * ، وإليه ذهب الزجاج ، وتعقبه في " البحر " بأن فيه بعداً لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه ، ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم ، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سبباً إلا بتأويل بعيد ، وبيان ذلك أن قولهم - على مريم بهتاناً عظيماً - وقولهم * ( إنا قتلنا المسيح ) * ( النساء : 157 ) متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم ، واستحسنه السفاقسي ، ثم قال : وقد يتكلف لحله بأن دوام التحريم في كل زمن كابتدائه ، وفيه بحث ، وجعل العلامة الثاني الفاء في فبظلم على هذا التقدير تكراراً للفاء في فبما نقضهم عطفاً على * ( أخذنا منهم ) * ( النساء ؛ 154 ) ، أو جزاء شرط مقدر ، واستبعده أيضاً من وجهين : لفظي ومعنوي ، وبين الأول بطول الفصل وبكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف العطف ، أو الجزاء مع القطع بأن المعمول هو الجار والمجرور فقط ، والثاني : بدلالته على أن تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة ومترتب عليه ، ثم قال : ولو جعلت الفاء للعطف على * ( فبما نقضهم ) * كما في قولك : بزيد وبحسنه ، أو فحسنه أو ثم حسنه افتتنت لم يحتج إلى جعله بدلاً ، وجوز أبو البقاء وغيره التعلق بمحذوف دل عليه قوله تعالى : * ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) * ورد بأن ذلك لا يصلح مفسراً ولا قرينة للمحذوف ، أما الأول : فلتعلقه بكلام آخر لأنه رد وإنكار لقولهم * ( قلوبنا غلف ) * ، وأما الثاني : فلأنه استطراد يتم الكلام دونه ؛ وكونه قرينة لما هو عمدة في الكلام يوجب أن لا يتم دونه . والحاصل أنه لا بد للقرينة من التعلق المعنوي بسابقتها حتى تصلح لذلك ، ومنه يعلم أنه لا مورد للنظر بأن الطبعين