الآلوسي
14
تفسير الآلوسي
واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذٍ كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى عليه السلام ولا ما أشار إليه قوله تعالى : * ( وَبصَدِّهمْ عَن سَبيل الله كَثيراً ) * أي ناساً كثيراً ، أو صداً أو زماناً كثيراً ، وقيل في جوابه : إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا تغفل ، وهذا معطوف على الظلم وجعله ، وكذا ما عطف عليه في " الكشاف " بياناً له ، وهو - كما قال بعض المحققين - لدفع ما يقال : إن العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر ، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل * ( بصدّهم ) * متعلقاً بمحذوف فلا إشكال عليه ، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بياناً للأول كما إذا قلت : بذنب ضربت زيداً وبسوء أدبه ، فإن المراد فيه لا بغير ذنب ، وكذا خصصوا ذلك بما إذا لم يكن الحصر مستفاداً من غير التقديم . [ بم وأعيدت الباء هنا ولم تعد في قوله تعالى : * ( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) * . * ( وأَخْذهُم الرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ) * لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه ، وحيث فصل بمعموله لم تعد ، وجملة ( وقد نهوا ) حالية ، وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرماً عليهم كما هو محرم علينا ، وأن النهي يدل على حرمة المنهى عنه ، وإلا لما توعد سبحانه على مخالفته * ( وَأَكلهم أَمْوَالَ النَّاس بالْبَطل ) * بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة * ( وَأَعْتَدْنَا للْكافرينَ منْهُمْ ) * أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم - كعبد الله بن سلام وأضرابه - * ( عَذَاباً أَليماً ) * سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم ، وذكر في " البحر " أن التحريم كان عاماً للظالم وغيره ، وأنه من باب ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) ( الأنفال : 25 ) دون العذاب ، ولذا قال سبحانه : ( للكافرين ) دون - لهم - وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضاً فتدبر . * ( لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ والْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ والْمُقِيمِينَ الصَّلَواةَ والْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ والْمُؤْمِنُونَ باللَّهِ والْيَوْمِ الآَخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) * . * ( لَكن الرَّاسخُونَ في الْعلْم منْهُمْ ) * استدراك من قوله سبحانه : * ( وأعتدنا ) * ( النساء : 161 ) الخ ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلاً ، و * ( منهم ) * في موضع الحال ، أي لكن الثابتون المتقنون منهم في العلم المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة ، والمراد بهم عبد الله بن سلام وأسيد وثعلبة وأضرابهم ، وفي المذكورين نزلت الآية كما أخرجه البيهقي في " الدلائل " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : * ( والْمُؤْمنُونَ ) * أي منهم ، وإليه يشير كلام قتادة ، وقد وصفوا بالإيمان بعدما وصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلاً للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما مر ، وقوله سبحانه : * ( يُؤْمنونَ بمَا أُنزلَ إلَيْكَ ) * من القرآن * ( وَمَا أُنزلَ من قَبْلكَ ) * من الكتب على الأنبياء والرسل حال من - المؤمنون - مبينة لكيفية إيمانهم ، وقيل : اعتراض مؤكد لما قبله . وقوله تعالى : * ( والْمُقيمينَ الصَّلَوةَ ) * قال سيبويه وسائر البصريين : نصب على المدح ، وطعن فيه الكسائي بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وهنا ليس كذلك لأن الخبر سيأتي ، وأجيب بأنه لا دليل على أنه لا يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره ، وحكى ابن عطية عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف لأن القطع لا يكون في العطف وإنما يكون في النعوت ، ومن ادعى أن هذا من باب القطع في العطف تمسك بما أنشده سيبويه للقطع مع حرف العطف من قوله : ويأوي إلى نسوة عطل * وشعثاً مراضيع مثل السعالى وقال الكسائي : هو مجرور بالعطف على ( ما أنزل إليك ) على أن المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،