الآلوسي

74

تفسير الآلوسي

الأمة مأمونون إلى يوم القيامة فلا يقدمون كما أقدموا لعدم خوف الاستئصال لا لأنهم دون ، وأن بني إسرائيل أقوى منهم إيماناً ، وأنت تعلم أن الآية بمراحل عن إفادتها كمال اللطف ، والسباق والسياق لا يشعران به أصلاً ، وأن خوف الاستئصال وعدمه مما لا يكاد يخطر ببال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، والضمير المنصوب في * ( فعلوه ) * للمكتوب الشامل للقتل والخروج لدلالة الفعل عليه ، أو هو عائد على القتل والخروج وللعطف - بأو - لزم توحيد الضمير لأنه عائد لأحد الأمرين ، وقول الإمام الرازي : إن الضمير عائد إليهما معاً بالتأويل تنبو عنه الصناعة ، و * ( قليل ) * لكون الكلام غير موجب بدل من الضمير المرفوع في * ( فعلوه ) * ، وقرأ ابن عامر * ( إلا قليلاً ) * بالنصب وجعله غير واحد على أنه صفة لمصدر محذوف ، والاستثناء مفرغ أي ما فعلوه إلا فعلاً قليلاً ، و - من - في * ( منهم ) * حينئذٍ للابتداء على نحو ما ضربته إلا ضرباً منك مبرحاً ، وقال الطيبي : إنها بيان للضمير في - فعلوا - كقوله تعالى : * ( ليمسن الذين كفروا منهم ) * ( المائدة : 73 ) على التجريد وليس بشيء ، وكأن الذي دعاهم إلى هذا والعدول عن القول بنصبه على الاستثناء أن النصب عليه في غير الموجب غير مختار ، فلا يحمل القرآن عليه - كما يشير إليه كلام الزجاج - حيث قال : النصب جائز في غير القرآن لكن قال ابن الحاجب : لا بعد في أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى ، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء غير الأقوى وحققه الحمصي ، وقيل : بل يكون إجماعهم دليلاً على أن ذلك هو القوي لأنهم هم المتفننون الآخذون عن مشكاة النبوة ، وأن تعليل النحاة غير ملتفت إليه . ورجح بعضهم أيضاً النصب على الاستثناء هنا بأن فيه توافق القراءتين معنى وهو مما يهتم به ، وبأن توجيه الكلام على غيره لا يخلو عن تكلف ودغدغة ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب - أن اقتلوا - بكسر النون على الأصل في التخلص من الساكنين ، و * ( أو اخرجوا ) * بضم الواو للاتباع ، والتشبيه بواو الجمع في نحو * ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) * ( البقرة : 237 ) ، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل ، والباقون بضمهما وهو ظاهر ، و * ( أن ) * كيفما كانت نونها إما مفسرة - لأنا كتبنا - في معنى أمرنا ولا يضر تعديه بعلى لأنه لم يخرج عن معناه ، ولو خرج فتعديه باعتبار معناه الأصلي جائز كما في - نطقت الحال بكذا - حيث تعدى الفعل بالباء مع أنهم قدير يدون به دل وهو يتعدى بعلى . وإن أبيت هذا ولا أظن قلنا : إنه بمعنى أو حيناً وإما مصدرية وهو الظاهر ولا يضر زوال الأمر بالسبك لأنه أمر تقديري . * ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ به ) * أي ما يؤمرون به مقروناً بالوعد والوعيد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى حكمه ظاهراً وباطناً * ( لَكَانَ ) * فعلهم ذلك * ( خَيْراً لَّهُمْ ) * عاجلاً وآجلاً * ( وَأشَدَّ تَثْبيتاً ) * لهم على الحق والصواب وأمنع لهم من الضلال وأبعد من الشبهات كما قال سبحانه : * ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) * ( محمد : 17 ) ، وقيل : معناه أكثر انتفاعاً لأن الانتفاع بالحق يدوم ولا يبطل لاتصاله بثواب الآخرة ، والانتفاع بالباطل يبطل ويضمحل ويتصل بعقاب الآخرة . . * ( وَإِذاً لاََتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً ) * . * ( وَإذاً لآتَيْنَاهُم ) * لأعطيناهم * ( مِّن لَّدُنَّا ) * من عندنا * ( أجْراً ) * ثواباً * ( عَظيماً ) * لا يعرف أحد مبدأه ولا يبلغ منتهاه ، وإنما ذكر ( من لدنا ) تأكيداً ومبالغة وهو متعلق بآتيناهم ، وجوز أن يكون حالاً من * ( أجراً ) * والواو للعطف و - لآتيناهم - معطوف على لكان خيراً لهم لفظاً و * ( إذاً ) * مقحمة للدلالة على أن هذا الجزاء الأخير بعد ترتب التالي السابق على المقدم ولإظهار ذلك وتحقيقه قال المحققون : إنه جواب لسؤال مقدر كأنه قيل : وماذا يكون