الآلوسي
26
تفسير الآلوسي
أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم " وأخرج عبد الرزاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ : " أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره " وللخبر محمل آخر لا يخفى . * ( فَانْ أطَعْنَكُمْ ) * أي وافقنكم وانقدن لما أوجب الله تعالى عليهن من طاعتكم بذلك كما هو الظاهر * ( فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهنَّ سَبيلاً ) * أي فلا تطلبوا سبيلاً وطريقاً إلى التعدي عليهن ، أو لا تظلموهن بطريق من الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن ، فالبغي إما بمعنى الطلب ، و * ( سبيلاً ) * مفعوله والجار متعلق به ، أو صفة النكرة قدم عليها ، وإما بمعنى الظلم ، و * ( سبيلاً ) * منصوب بنزع الخافض ، وعن سفيان بن عيينة أن المراد فلا تكلفوهن المحبة ، وحاصل المعنى إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعتلوا عليهن بما في باطنهن * ( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلياً كَبيراً ) * فاحذروه فإن قدرته سبحانه عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم منهن ، أو أنه تعالى على علو شأنه وكمال ذاته يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم إذا تبتم فتجاوزوا أنتم عن سيئات أزواجكم واعفوا عنهن إذا تبن ، أو أنه تعالى قادر على الانتقام منكم غير راض بظلم أحد ، أو أنه سبحانه مع علوه المطلق وكبريائه لم يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن إلا ما يطقن . . * ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) * . * ( وَإنْ خفْتُمْ ) * الخطاب - كما قال ابن جبير والضحاك وغيرهما - للحكام ، وهو وارد على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه للإيذان أن ذلك مما ليس ينبغي أن يفرض تحققه أعني عدم الإطاعة ؛ وقيل : لأهل الزوجين أو للزوجين أنفسهما ، وروى ذلك عن السدي ، والمراد فإن علمتم - كما قال ابن عباس - أو فإن ظننتم - كما قيل - * ( شقَاقَ بَيْنهمَا ) * أي الزوجين ، وهما وإن لم يجر ذكرهما صريحاً فقد جرى ضمناً لدلالة النشوز الذي هو عصيان المرأة زوجها ، والرجال والنساء عليهما ، والشقاق الخلاف والعداوة واشتقاقه من الشق وهو الجانب لأن كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر ، و - بين - من الظروف المكانية التي يقل تصرفها ، وإضافة الشقاق إليها إما لإجراء الظرف مجرى المفعول كما في قوله : يا سارق الليلة أهل الدار ( c ) أو الفاعل كقولهم صام نهاره ، والأصل - شقاقاً بينهما - أي أن يخالف أحدهما الآخر ، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزل منزلة الفاعل أو المفعول وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه ، وقيل : الإضافة بمعنى في وقيل : إن - بين - هنا بمعنى الوصل الكائن بين الزوجين أعني المعاشرة وهو ليس بظرف ، وإلى ذلك يشير كلام أبي البقاء ، ولم يرتض ذلك المحققون . * ( فابْعَثُواْ ) * أي وجهوا وأرسلوا إلى الزوجين لإصلاح ذات البين * ( حَكَماً ) * أي رجلاً عدلاً عارفاً حسن السياسة والنظر في حصول المصلحة * ( مِّنْ أَهْله ) * أي الزوج ، و * ( من ) * إما متعلق - بابعثوا - فهو لابتداء الغاية ، وإما بمحذوف وقع صفة للنكرة فهي للتبعيض * ( وَحَكَماً ) * آخر على صفة الأول * ( مِّنْ أهْلَها ) * أي الزوجة ، وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة وهذا على وجه الاستحباب ، وإن نصبا من الأجانب جاز ، واختلف في أنهما هل يليان الجمع والتفريق إن رأيا ذلك ؟ فقيل لهما - وهو المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإحدى الروايتين عن ابن جبير ، وبه قال الشعبي - فقد أخرج الشافعي في الأم . والبيهقي