الآلوسي

166

تفسير الآلوسي

وما ذكر من أن آخر يقابل به ما تقدمه من جنسه هو المختار ، وإلا فقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شيء من جنسه ، وزعم أبو الحسن أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر ، فلو قلت : جاءني آخر من غير أن تتكلم قبله بشيء من صنفه لم يجز ، ولو قلت : أكلت رغيفاً ، وهذا قميص آخر لم يحسن ، وأما قول الشاعر : صلى على عزة الرحمن وابنتها * ليلى وصلى على جاراتها ( الأخر ) فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها لتكون الأخرى من جنسها ، ولولا هذا التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات ، بل كان يقول : وصلى على بناتها الأخر ، وقد قوبل في البيت أيضاً - أخر - وهو جمع بابنتها وهو مفرد ، وزعم السهيلي أن - أخرى - في قوله تعالى : * ( ومناة الثالثة الأخرى ) * ( النجم : 20 ) استعملت من غير أن يتقدمها شيء من صنفها لأنه غير مناة الطاغية التي كانوا يهلون إليها بقديد ؛ فجعلها ثالثة اللاة والعزى ، وأخرى لمناة التي كان يعبدها عمرو بن الجموح وغيره من قومه مع أنه لم يتقدم لها ذكر ، والصواب أنه جعلها أخرى بالنظر إلى اللات والعزى ، وساغ ذلك لأن الموصوف بالأخرى ، وهو الثالثة يصح وقوعه على اللات والعزى ، ألا ترى أن كل واحدة منهنّ ثالثة بالنظر إلى صاحبتها ؟ وإنما اتجه ذلك لما ذكره أبو الحسن من أن استعمال آخر وأخرى من غير أن يتقدمهما صنفهما لا يجوز إلا في الشعر انتهى . وهو تحقيق نفيس إلا أنه سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في الآية الآتي ذكرها ، وفي " المسائل الصغرى " للأخفش في باب عقده لتحقيق هذه المسألة أن العرب لا تستعمل آخر إلا فيما هو من صنف ما قبله ، فلو قلت : أتاني صديق لك وعدو لك آخر لم يحسن لأنه لغو من الكلام ، وهو يشبه - سائر وبقية وبعض - في أنه لا يستعمل إلا في جنسه ، فلو قلت : ضربت رجلاً وتركت سائر النساء لم يكن كلاماً ، وقد يجوز ما امتنع بتأويل كرأيت فرساً وحماراً آخر نظراً إلى أنه دابة قال امرؤ القيس : إذا قلت : هذا صاحبي ورضيته * وقرت به العينان بدلت ( آخرا ) وفي الحديث : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة في مرضه فقال : أنظروا من أتكيء عليه فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما " . وحاصل هذا أنه لا يوصف بآخر إلا ما كان من جنس ما قبله لتتبين مغايرته في محل يتوهم فيه اتحاده ولو تأويلاً ، وحينئذ لا يكون ما ذكره الزمخشري نصاً في الخطأ ومخالفة استعمال العرب المعول عليه عند الجمهور * ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلكَ ) * أي إفنائكم بالمرة وإيجاد آخرين * ( قَديراً ) * بليغ القدرة لكنه سبحانه لم يفعل وأبقاكم على ما أنتم عليه من العصيان لعدم تعلق مشيئته لحكمة اقتضت ذلك لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً . . * ( مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا والاَْخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) * . * ( مَّن كَانَ يُريدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ) * كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية . * ( فَعندَ الله ثَوَابُ الدُّنْيَا والآخرَة ) * جزاء الشرط بتقدير الإعلام والإخبار أي : من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله تعالى ثواب الدارين فما له لا يطلب ذلك كمن يقول : * ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) * ( البقرة : 201 ) ، أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد مثلاً خالصاً لوجه الله تعالى لم ( تخطه ) المنافع الدنيوية وله في الآخرة ما هي في جنبه كلا شيء ، وفي " مسند أحمد " عن زيد بن ثابت " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كان همه الآخرة جمع الله تعالى شمله وجعل غناه في قلبه وأتته