الآلوسي
164
تفسير الآلوسي
قبلهم من الأمم ، والكتاب عام للكتب الإلهية ، ولا ضرورة تدعو إلى تخصيص الموصول باليهود والكتاب بالتوراة ، بل قد يدعى أن التعميم أولى بالغرض المسوق له الكلام وهو تأكيد الأمر بالإخلاص ، و * ( من ) * متعلقة - بوصينا - أو - بأوتوا - * ( وَإيَّاكُمْ ) * عطف على الموصول وحكم الضمير المعطوف أن يكون منفصلاً ولم يقدم ليتصل لمراعاة الترتيب الوجودي * ( أَن اتَّقُواْ اللَّهَ ) * أي وصينا كلاً منهم ومنكم بأن اتقوا الله تعالى على أن * ( أن ) * مصدرية بتقدير الجار ومحلها نصب أو جر على المذهبين ، ووصلها بالأمر - كالنهي وشبهه - جائز كما نص عليه سيبويه ، ويجوز أن تكون مفسرة للوصية لأن فيها معنى القول . وقوله تعالى : * ( وَإنْ تَكْفُرُواْ فَإنَّ لله مَا فِي السَّمَاوات وَمَا في الأَرْض ) * عطف على * ( وصينا ) * بتقدير قلنا - أي وصينا وقلنا لكم ولهم إن تكفروا فاعلموا أنه سبحانه مالك الملك والملكوت لا يضره كفركم ومعاصيكم ، كما أنه لا ينفعه شكركم وتقواكم وإنما وصاكم وإياهم لرحمته لا لحاجته - وفي الكلام تغليب للمخاطبين على الغائبين ، ويشعر ظاهر كلام البعض أن العطف على * ( اتقوا الله ) * وتعقب بأن الشرطية لا تقع بعد أن المصدرية ، أو المفسرة فلا يصح عطفها على الواقع بعدها سواء كان إنشاءاً أم إخباراً ، والفعل * ( وصينا ) * أو أمرنا أو غيره ، وقيل : إن العطف المذكور من باب : علفتها تبناً وماءاً بارداً ( c ) وجوز أبو حيان أن تكون جملة مستأنفة خوطب بها هذه الأمة وحدها ، أو مع الذين أوتوا الكتاب * ( وَكَانَ اللَّهُ غَنياً ) * بالغنى الذاتي عن الخلق وعبادتهم * ( حَميداً ) * أي محموداً في ذاته حمدوه أم لم يحمدوه ، والجملة تذييل مقرر لما قبله ، وقيل : إن قوله سبحانه : * ( ولله ما في السماوات ) * الخ تهديد على الكفر أي أنه تعالى قادر على عقوبتكم بما يشاء ، ولا منجى عن عقوبته فإن جميع ما في السماوات والأرض له ، وقوله عز وجل : * ( وكان الله غنياً حميداً ) * للإشارة إلى أنه جل وعلا لا يتضرر بكفرهم [ بم وقوله سبحانه : * ( وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَكَفَى باللَّهِ وَكِيلاً ) * . * ( وَلله مَا في السَّمَاواتَ وَمَا فِي الأَرْض ) * يحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ مسوقاً للمخاطبين توطئة لما بعده من الشرطية أي له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقاً وملكاً يتصرف في ذلك كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءاً وإماتة ، ويحتمل أن يكون كالتكميل للتذييل ببيان الدليل فإن جميع المخلوقات تدل لحاجتها وفقرها الذاتي على غناه وبما أفاض سبحانه عليها من الوجود والخصائص والكمالات على كونه حميداً * ( وَكَفى بالله وَكيلاً ) * تذييل لما قبله ، والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذي يوكل إليه ، وهذا على الإطلاق هو الله تعالى ، وفي " النهاية " يقال : " وكَّل فلان فلاناً إذا استكفاه أمره ثقة ( بكفايته ) أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه ، والوكيل في أسماء الله تعالى هو القيم ( الكفيل ) ( 1 ) بأرزاق العباد ، وحقيقته أنه يستقل ( بالأمر ) الموكول إليه " ، ولا يخفى أن الاقتصار على الأرزاق قصور فعمم ، وتوكل على الله تعالى ، وادعى البيضاوي - بيض الله تعالى غرة أحواله - أن هذه الجملة راجعة إلى قوله سبحانه : * ( يغن الله كلاً من سعته ) * ( النساء : 130 ) فإنه إذا توكلت وفوضت فهو الغني لأن من توكل على الله عز وجل كفاه ، ولما كان ما بينهما تقريراً له لم يعد فاصلاً ، ولا يخفى أن على بعده لا حاجة إليه . . * ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذالِكَ قَدِيراً ) * . * ( إن يَشَأ ) * إن يرد إذهابكم وإيجاد آخرين * ( يُذْهبْكُمْ ) * يفنكم ويهلككم . * ( أَيُّهَا النَّاسُ ويَأْت بآخَرينَ ) * أي يوجد مكانكم دفعة قوماً آخرين من البشر ، فالخطاب لنوع من الناس ، وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أنه لما نزل قوله تعالى :