الآلوسي

162

تفسير الآلوسي

من غير ألف وأصله يصطلحا فخفف بإبدال الطاء المبدلة من تاء الافتعال صاداً وأدغمت الأولى فيها لا أنه أبدلت التاء ابتداءاً صاداً وأدغم - كما قال أبو البقاء - لأن تاء الافتعال يجب قلبها طاءاً بعد الأحرف الأربعة . وقرئ يصطلحا - وهو ظاهر ، و * ( صلحاً ) * على قراءة أهل الكوفة إما مفعول به على معنى يوقعا الصلح ، أو بواسطة حرف أي يصلح ، والمراد به ما يصلح به ، و * ( بينهما ) * ظرف ذكر تنبيهاً على أنه ينبغي أن لا يطلع الناس على ما بينهما بل يسترانه عنهم أو حال من * ( صلحاً ) * أي كائناً بينهما ، وإما مصدر محذوف الزوائد ، أو من قبيل ( أنبتها الله نباتاً ) و * ( بينهما ) * هو المفعول على أنه اسم بمعنى التباين والتخالف ، أو على التوسع في الظرف لا على تقدير ما بينهما كما قيل ، ويجوز أن يكون * ( بينهما ) * ظرفاً ، والمفعول محذوف أي حالهما ونحوه ، وعلى قراءة غيرهم يجوز أن يكون واقعاً موقع تصالحاً واصطلاحاً ، وأن يكون منصوباً بفعل مترتب على المذكور أي فيصلح حالهما صلحاً واحتمال هذا في القراءة الأولى بعيد ؛ وجوز أن يكون منصوباً على إسقاط حرف الجر أي يصالحا أو يصلحا بصلح أي بشيء تقع بسببه المصالحة * ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * أي من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة ، فاللام للعهد ، وإثبات الخيرية للمفضل عليه على سبيل الفرض والتقدير أي إن يكن فيه خير فهذا أخير منه وإلا فلا خيرية فيما ذكر ، ويجوز أن لا يراد بخير التفضيل بل يراد به المصدر أو الصفة أي أنه خير من الخيور فاللام للجنس ، وقيل : إن اللام على التقديرين تحتمل العهدية والجنسية ، والجملة اعتراضية ، وكذا قوله تعالى : * ( وأُحْضرَت الأَنْفُسُ الشُّحَّ ) * ولذلك اغتفر عدم تجانسهما إذ الأولى : اسمية والثاني : فعلية ولا مناسبة معنى بينهما ، وفائدة الأولى : الترغيب في المصالحة ، والثانية : تمهيد العذر في المماكسة والمشاقة كما قيل ، وحضر متعد لواحد وأحضر لاثنين ، والأول : هو * ( الأنفس ) * القائم مقام الفاعل ؛ والثاني : * ( الشح ) * ، والمراد أحضر الله تعالى الأنفس الشح وهو البخل مع الحرص ، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل هو الثاني أي إن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ، أو إنها جعلت حاضرة له مطبوعة عليه فلا تكاد المرأة تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجل يكاد يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة مثلاً على التي لا يريدها ، وذكر شيخ الإسلام " أن في ذلك تحقيقاً للصلح وتقريراً له بحث كل من الزوجين عليه لكن لا بالنظر إلى حال نفسه فإن ذلك يستدعي التمادي في ( المماكسة و ) الشقاق بل بالنظر إلى حال صاحبه ، فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استماله مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته ، وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقنع من قبلها بشيء يسير ولا يكلفها بذل الكثير فيتحقق بذلك الصلح " الذي هو خير . * ( وَإن تُحْسنُواْ ) * في العشرة مع النساء * ( وَتَتَّقُواْ ) * النشوز والإعراض وإن تظافرت الأسباب الداعية إليهما وتصبروا على ذلك ولم تضطروهن على فوت شيء من حقوقهن ، أو بذل ما يعز عليهن . * ( فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بمَا تَعْمَلُونَ ) * من الإحسان والتقوى أو بجميع ما تعملون ، ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً * ( خَبيراً ) * فيجازيكم ويثيبكم على ذلك ، وقد أقام سبحانه كونه عالماً مطلعاً أكمل اطلاع على أعمالهم مقام مجازاتهم وإثابتهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة السبب مقام المسبب ، ولا يخفى ما في خطاب الأزواج بطريق الالتفات ، والتعبير عن رعاية حقوقهن بالإحسان ، ولفظ التقوى المنبىء عن كون النشوز والإعراض مما يتوقى منه ، وترتيب الوعد الكريم على ذلك من لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة . * ( وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَ الْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ) * . * ( وَلن تَسْتَطيعُواْ أَن تَعْدلُوا بَيْنَ النِّسَاء ) * أي لا تقدروا البتة على العدل بينهن بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب ( إحداهن ) ( 1 )