الآلوسي

151

تفسير الآلوسي

كما قال السمين ، والجملة اعتراض وعدم التعرض للتمنية لأنها من باب الوعد ، وفي " البحر " إنهما متقاربان فاكتفى بأولهما . . * ( أُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ) * . * ( أُوْلئكَ ) * إشارة إلى من اتخذ الشيطان ولياً باعتبار معناه ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الخسران * ( مَأْواهُمْ ) * ومستقرهم جميعاً * ( جَهَنَّمُ وَلاَ يَجدُونَ عَنْهَا مَحيصاً ) * أي معدلاً ومهرباً ، وهو اسم مكان ، أو مصدر ميمي من حاص يحيص إذا عدل وولى ، ويقال : محيص ومحاص ، وأصل معناه كما قيل : الروغان ، ومنه وقعوا في حيص بيص ، وحاص باص أي في أمر يعسر التخلص منه ، ويقال : حاص يحوص أيضاً وحوصاً وحياصاً ، و * ( عنها ) * متعلق بمحذوف وقع حالا من * ( محيصاً ) * . ولم يجوزوا تعلقه ب * ( يجدون ) * لأنه لا يتعدى بعن ، ولا بمحيصاً لأنه إن كان اسم مكان فهو لا يعمل لأنه ملحق بالجوامد ، وإن كان مصدراً فمعمول المصدر لا يتقدم عليه ، ومن جوز تقدمه إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً جوزه هنا . . * ( والَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ) * . * ( والَّذينَ ءَامَنُوا وَعَملُواْ الصَّالحَات ) * مبتدأ خبره قوله تعالى : * ( سَنُدْخلُهُمْ جَنَّات تَجْري من تَحْتهَا الأَنْهَارُ خَالدينَ فيهَا أَبَداً ) * وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول في موضع نصب بفعل محذوف يفسره ما بعده ولا يخفى مرجوحيته ، وهذا وعد للمؤمنين إثر وعيد الكافرين ، وإنما قرنهما سبحانه وتعالى زيادة لمسرة أحبائه ومساءة أعدائه * ( وَعْدَ اللَّهَ حَقًّا ) * أي وعدهم وعداً وأحقه حقاً ، فالأول : مؤكد لنفسه كله على ألف عرفا فإن مضمون الجملة السابقة لا تحتمل غيره إذ ليس الوعد إلا الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه ، والثاني : مؤكد لغيره كزيد قائم حقاً فإن الجملة الخبرية بالنظر إلى نفسها وقطع النظر عن قائلها تحتمل الصدق والكذب والحق والباطل ، وجوز أن ينتصب وعد علي أنه مصدر ل‍ * ( سندخلهم ) * على ما قال أبو البقاء من غير لفظه لأنه في معنى نعدهم إدخال جنات ، ويكون * ( حقاً ) * حالا منه . * ( وَمَنْ أَصْدَقُ منَ اللَّه قيلاً ) * تذييل للكلام السابق مؤكد له ، فالواو اعتراضية و - القيل - مصدر قال ومثله القال . وعن ابن السكيت : إنهما اسمان لا مصدران ، ونصبه على التمييز ، ولا يخفى ما في الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجليل الجامع ، وبناء أفعل ، وإيقاع القول تمييزاً من المبالغة ، والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه التي غرتهم حتى استحقوا الوعيد بوعد الله تعالى الصادق لأوليائه الذي أوصلهم إلى السعادة العظمى ، ولذا بالغ سبحانه فيه وأكده حثاً على تحصيله وترغيباً فيه ، وزعم بعضهم أن الواو عاطفة والجملة معطوفة على محذوف أي صدق الله ومن أصدق من الله قيلا أي صدق ولا أصدق منه ، ولا يخفى أنه تكلف مستغنى عنه ، وكأن الداعي إليه الغفلة عن حكم الواو الداخلة على الجملة التذييلة ، وتجويز أن تكون الجملة مقولاً لقول محذوف أي وقائلين : من أصدق من الله قيلا ، فيكون عطفاً على * ( خالدين ) * أدهى وأمر . وقرأ الكوفي غير عاصم . وورش باشمام الصاد الزاي . . * ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاأَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابمَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) * . * ( لَّيْسَ بأَمَانيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِّي أَهْل الْكتَاب ) * الخطاب المؤمنين ، والأماني بالتشديد والتخفيف - وبهما قرىء - جمع أمنية على وزن أفعولة ، وهي كما قال الراغب : الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء أي تقديره في النفس وتصويره فيها ، ويقال : منى له الماني أي قدر له المقدر ، ومنه قيل : منية أي مقدرة ؛ وكثيراً ما يطلق التمني على تصور ما لا حقيقة له ، ومن هنا يعبر به عن