الآلوسي

149

تفسير الآلوسي

وما يعبدون بعبادة تلك الأوثان * ( إلاَّ شَيْطَاناً مَّريداً ) * إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم فكانت طاعتهم له عبادة فالكلام محمول على المجاز فلا ينافي الحصر السابق ، وقيل : المراد من يدعون يطيعون فلا منافاة أيضاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أنه قال : " ليس من صنم إلا فيه شيطان " والظاهر أن المراد من الشيطان هنا إبليس ، وهو المروي عن مقاتل وغيره ، والمريد والمارد والمتمرد : العاتي الخارج عن الطاعة ، وأصل مادة - م رد - للملامسة والتجرد ، ومنه * ( صرح ممرد ) * ( النمل : 44 ) وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها ، ووصف الشيطان بذلك إما لتجرده للشر أو لتشبيهه بالأملس الذي لا يعلق به شيء ، وقيل : لظهور شره كظهور ذقن الأمرد وظهور عيدان الشجرة المرداء . . * ( لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لاََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ) * . * ( لَّعَنَهُ اللَّهُ ) * أي طرده وأبعده عن رحمته ، وقيل : المراد باللعنة فعل ما يستحقها به من الاستكبار عن السجود كقولهم : أبيت اللعن أي ما فعلت ما تستحقه به ، والجملة في موضع نصب صفة ثانية لشيطان . وجوز أبو البقاء أن تكون مستأنفة على الدعاء فلا موضع لها من الاعراب . * ( وَقَالَ لاَتَّخذَنَّ منْ عبَادكَ نَصيباً مَّفْرُوضاً ) * عطف على الجملة المتقدمة ، والمراد شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله تعالى وهذا القول الشنيع الصادر منه عند اللعن ، وجوز أن تكون في موضع الحال بتقدير قد أي وقد قال ، وأن تكون مستأنفة مستطردة كما أن ما قبلها اعتراضية في رأي ، والجار والمجرور إما متعلق بالفعل ، وإما حال مما بعده ، واختاره البعض ، والاتخاذ أخذ الشيء على وجه الاختصاص ، وأصل معنى الفرض القطع وأطلق هنا على المقدار المعين لاقتطاعه عما سواه ، وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ، وابن المنذر عن الربيع من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، والظاهر أن هذا القول وقع نطقاً من اللعين ، وكأنه عليه اللعنة لما نال من آدم عليه السلام ما نال طمع في ولده ، وقال ذلك ظناً ، وأيد بقوله تعالى : * ( ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه ) * ( سبأ : 20 ) ، وقيل : إنه فهم طاعة الكثير له مما فهمت منه الملائكة حين قالوا : * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) * ( البقرة : 30 ) وادعى بعضهم أن هذا القول حالي كما في قوله : امتلأ الحوض وقال : ( قطني * مهلا رويداً قد ملأت بطني ) وفي هذه الجمل ما ينادي على جهل المشركين وغاية انحطاط درجتهم عن الانخراط في سلك العقلاء على أتم وجه وأكمله ، وفيها توبيخ لهم كما لا يخفى . * ( وَلاَُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلاََمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الاَْنْعَامِ وَلاََمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ) * . * ( وَلأَضُلَّنَّهُمْ ) * عن الحق * ( وَلأَمَنِّينَهُمْ ) * الأماني الباطلة وأقول لهم : ليس وراءكم بعث ولا نشر ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فافعلوا ما شئتم ، وقيل : أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوفون العمل وقيل : أمنيهم بالأهواء بالباطلة الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها وأدعو كلا منهم إلى ما يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة ، وروي الأول عن الكبي * ( وَلآمُرَنَّهُمْ ) * بالتبتيك - كما قال أبو حيان - أو بالضلال كما قال غيره * ( فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَام ) * أي فليقطعنها من أصلها كما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، أو ليشقنها - كما قال الزجاج - بموجب أمري من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير كما يؤذن بذلك الفاء ، وهذا إشارة إلى ما كانت الجاهلية تفعله من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً وتحريم ركوبها والحمل عليها وسائر وجوه الانتفاع بها . * ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ ) * ممتثلين به بلا ريث * ( خَلْقَ اللَّهَ ) * عن نهجه صورة أو صفة ، ويندرج فيه ما ( فعل ) من فقء عين فحل الإبل