الآلوسي

14

تفسير الآلوسي

الخ على سبيل البيان كأنه قيل : ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات ، فوضع موضعه * ( ويتوب عليكم ) * وما يرد على بعض الوجوه من لزوم تخلف المراد عن الإرادة وهي علة تامة يدفعه كون الخطاب ليس عاماً لجميع المكلفين بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة * ( واللَّهُ عَليمٌ ) * مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم ما شرع لكم من الأحكام وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم * ( حَكيمٌ ) * مراع في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة فيبين لمن يشاء ويهدي من يشاء ويتوب على من يشاء ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . . * ( واللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) * . * ( واللَّهُ يُريدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) * جعله بعضهم تكراراً لما تقدم للتأكيد والمبالغة وهو ظاهر إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا شيئاً واحداً ، وأما إذا فسر * ( يتوب ) * أولاً : بقبول التوبة والإرشاد مثلاً ، وثانياً : بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكراراً ، وأيضاً إنما يتمشى ذلك على كون * ( ليبين لكم ) * ( النساء : 26 ) مفعولاً وإلا فلا تكرار أيضاً لأن تعلق الإرادة بالتوبة في الأول : على جهة العلية ، وفي الثاني : على جهة المفعولية وبذلك يحصل الاختلاف لا محالة * ( وَيُريدُ الَّذينَ يَتَّبعُونَ الشَّهَوات ) * يعني الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم بأنهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو استعارة تمثيلية ، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له لا لها . وروي هذا عن ابن زيد ، وأخرج مجاهد عن ابن عباس أنهم الزناة ، وأخرج ابن جرير عن السدي أنهم اليهود والنصارى ، وقيل : إنهم اليهود خاصة حيث زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة ، وقيل : إنهم المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم ، وبنات الأخ والأخت قياساً على بنات العمة والخالة بجامع أن أمهما لا تحل ، فكانوا يريدون أن يضلوا المؤمنين بما ذكر ، ويقولون : لم جوزتم تلك ولم تجوزوا هذه ؟ ! فنزلت ، وغوير بين الجملتين ليفرق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين * ( أَن تَميلُواْ ) * عن الحق بموافقتهم فتكونوا مثلهم ، وعن مجاهد أن تزنوا كما يزنون . وقرئ بالياء التحتانية فالضمير حينئذ - للذين يتبعون الشهوات - * ( مَيْلاً عَظيماً ) * بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة ، واعترف بأنها خطيئة ولم يستحل . . * ( يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَنا ا الاِنسَان ضَعِيفاً ) * . * ( يُريدُ اللَّهُ أن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) * أي في التكليف في أمر النساء والنكاح بإباحة نكاح الإماء - قاله طاوس ومجاهد - وقيل : يخفف في التكليف على العموم فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية ، وقيل : يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب . * ( وَخُلقَ الانسَانُ ضَعيفاً ) * أي في أمر النساء لا يصبر عنهن - قاله طاوس - وفي الخبر : " لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً " وقيل : يستميله هواه وشهوته ويستشيطه خوفه وحزنه ، وقيل : عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة ، وقيل : ضعيف الرأي لا يدرك الأسرار والحكم إلا بنور إلهي . وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أن المراد ضعيف الخلقة يؤلمه أدنى حادث نزل به ، ولا يخفى ضعف مساعدة المقام لهما فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء ، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخل في ذلك ، وكونه إشارة إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين ليس بشيء ،