الآلوسي

128

تفسير الآلوسي

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * ( أو تنزلون فإنا معشر نزل ) أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين : في محل جزم وإن لم يصح وقوعها شرطاً لأنهم يتسامحون في التابع ، وإنما قدروا المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع ، وقال عصام الملة : ينبغي أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل * ( من ) * موصولة لأن الشرط لا يكون جملة اسمية ويكون * ( يخرج ) * أيضاً مرفوعاً ، ويرد عليه حينئذ أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ ، فالأولى أن الرفع بناءاً على توهم رفع * ( يخرج ) * لأن المقام من مظان الموصول ، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما ذكروا ، وقيل : إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها ، ثم نقل حركتها إلى الكاف كقوله : عجبت والدهر كثير عجبه * من عنزي يسبني لم أضربه وهو كما في " الكشف " ضعيف جداً لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضاً ، ثم تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة ؛ والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء ، وقرأ الحسن * ( يدركه ) * بالنصب ، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار إن نظير ما أنشده سيبويه من قوله : سأترك منزلي لبني تميم * وألحق بالحجاز فأستريحا ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه ، والآية - لكون المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير الموجب - كانت أقوى من البيت ، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم عندهم إذا وقع بعد الواو والفاء كقوله : ومن لا يقدم رجله مطمئنة * فيثبتها في مستوى القاع يزلق وقاسوا عليهما ثم ، فليس ما ذكر في البيت نظير الآية ، وقيل : من عطف المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل - أكرمني وأكرمك - أي ليكن منك إكرام ومني ، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له . * ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه ) * أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو جواب الشرط ، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة ، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم ، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في الترغيب فقد قيل : كان مقتضى الظاهر - ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت يثبه - إلا أنه اختير * ( ومن يخرج مهاجراً من بيته ) * على - ومن يهاجر - لما أشرنا إليه آنفاً ، ووضع * ( يدركه الموت ) * موضع - يمت - إشعاراً بمزيد الرضا من الله تعالى ، وأن الموت كالهدية منه سبحانه له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت ، وجئ - بثم - بدل الواو تتميماً لهذه الدقيقة ، وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة ، وأقيم * ( فقد وقع أجره على الله ) * مقام - يثبه - لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت ، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع ؛ وعن الزمخشري : إن فائدة * ( ثم يدركه ) * بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل الموت ، واختلف فيمن نزلت ؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة ، وكان بلغه قوله تعالى : * ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) * ( النساء : 97 ) الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلميها فقال لبنيه : احملوني فإني لست