الآلوسي

122

تفسير الآلوسي

إشعاراً بأن القعود كان عنه ولكن ترك التصريح به هناك رعاية لهم في الجملة ، وقدم ( القاعدون ) على - المجاهدين - ولم يؤخر عنهم ليتصل التصريح بتفضيلهم بهم ، وقيل : للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبئ عنه عدم الاستواء من جهة القاعدين لا من جهة مقابليهم ، فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد ، لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر ، وعليه قوله تعالى : * ( هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ) * ( الرعد ؛ 16 ) إلى غير ذلك ، وأما قوله تعالى : * ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * ( الزمر : 9 ) فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول . وأنت تعلم أنه لا تزاحم في النكات وأنه قد يكون في شيء واحد جهة تقديم وجهة تأخير ، فتعتبر هذه تارة وتلك أخرى ، وإنما قدم سبحانه وتعالى هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) * ( التوبة : 111 ) لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد وأخر البائع تنبيهاً على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة . وعلى ذلك النمط جاء أيضاً قوله تعالى : * ( فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهدينَ ) * في سبيله * ( بأمْوالهمْ وَأنفُسهمْ عَلَى الْقَاعدينَ ) * من المؤمنين غير أولي الضرر * ( دَرَجَةً ) * لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها ، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة فإنه يستلزم التفضيل إلى أنه لم يكتف بما فهم اعتناءاً به وليتمكن أشدّ تمكن ، ولكون الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه ، وجوز أن تكون جواب سؤال ينساقه إليه المقال كأنه قيل : كيف وقع ذلك التفضيل ؟ فقيل : فضل الله الخ ، واللام كما أشرنا إليه في الجمعين للعهد ولا يأباه كون مدخولها وصفاً - كما قيل - إذ كثيراً ما ترد أل فيه للتعريف كما صرح به النحاة ، و ( درجة ) منصوب على المصدر لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة وهي تكون في الترقي والفضل ، فوقعت موقع المصدر كأنه قيل : فضلهم تفضيلة ، وذلك مثل قولهم : ضربته سوطاً أي ضربة ، وقيل : على الحال أي ذوي درجة ، وقيل : على التمييز ، وقيل : على تقدير حذف الجار أي بدرجة ، وقيل : هو واقع موقع الظرف أي في درجة ومنزلة ، وقوله تعالى : * ( وَكُلاًّ ) * مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيداً للوعد ، وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين * ( وَعَدَ اللَّهُ ) * المثوبة * ( الْحُسْنَى ) * وهي الجنة - كما قال قتادة وغيره - لا أحدهما فقط ، وقرأ الحسن - وكل - بالرفع على الابتداء ، فالفعول الأول - وهو العائد في جملة الخبر - محذوف أي وعده ، وكأن التزام النصب في المتواترة لأن قبله جملة فعلية وبذلك خالف ما في - الحديد - و ( الحسنى ) على القراءتين هو المفعول الثاني ، والجملة اعتراض جيء به تداركاً لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول . وقوله سبحانه : * ( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهدينَ عَلَى الْقَاعدينَ ) * عطف على ما قبله ، وأغنت أل عن ذكر ما ترك على سبيل التدريج من القيود ، وإنما لم يعتبر التدريج في ترك ما ذكر مع القاعدين أولاً بأن يترك من المؤمنين فقط ، ويذكر * ( غير أولي الضر ) * في الآية الأولى ويتركهما معاً في الآية الثانية ، بل تركهما دفعة واحدة عند أول قصد التدريج قيل : لأن قيد * ( غير أولى الضرر ) * كان بعد السؤال كما يشير إليه سبب النزول . وفي بعض أخباره أن ابن أم مكتوم لما نزلت الآية جعل يقول : أي رب أين عذري أي رب أين عذري ؟ ؟ فنزل ذلك فانسدت باب الحاجة إليه ، وقنع السائل بذكره مرة فأسقط مع ما معه الساقط لذلك القصد دفعة ، ولا كذلك