الآلوسي
118
تفسير الآلوسي
يفيد علية مبدأ الاشتقاق ، فكأنه قيل : ومن يقتل مؤمناً لأجل إيمانه ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلاً فلا يكون إلا كافراً فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول ، واعترض بأن المؤمن وإن كان مشتقاً في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد ، ألا ترى أن قولك كلمت مؤمناً مثلاً لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه ؟ ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفراً ولا قائل به ، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار فليفهم ، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي ، ولم يذكر حكمه الدنيوي اكتفاءاً بما تقدم في آية البقرة . ( 178 ) . . * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىإِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذالِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) * . * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا ) * شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله . * ( إذَا ضَرَبْتُمْ في سَبيل الله ) * أي سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق * ( فَتَبَيَّنُواْ ) * أي فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا ( تعملوا ) فيه من غير تدبر وروية ، وقرأ حمزة وعلي وخلف - فتثبتوا - أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه ، والمعنيان متقاربان ، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال ، ودخلت الفاء لما في * ( إذا ) * من معنى الشرط كأنه قيل : إن غزوتم فتبينوا * ( وَلاَ تقُولُواْ لمَنْ ألْقَى إلَيْكُمْ السَّلاَمَ ) * أي حياكم بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية - كأنعم صباحاً وحياك الله تعالى - وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام - السلم - بغير ألف ، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ - السلم - بكسر السين وفتح اللام ، ومعناه في القرائتين الاستسلام والانقياد ، وبه فسر بعضعم * ( السلام ) * أيضاً في القراءة المشهورة ، واللام على ما قال السمين : للتبليغ ، والماضي بمعنى المضارع ، و ( من ) موصولة أو موصوفة ، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به ، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت ، وتقييد ذلك بالسفر لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه ، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه : * ( لَسْتَ مُؤْمناً ) * وإنما فعلت ذلك خوف القتل بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه . وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا * ( مؤمناً ) * بفتح الميم الثانية أي مبذولاً لك الأمان . * ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَواة الدُّنْيَا ) * أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وشيك الانتقال ، والجملة في موضع الحال من فاعل * ( تقولوا ) * مشعراً بما هو الحامل لهم على العجلة ، والنهي راجع إلى القيد والمقيد ، وقوله تعالى : * ( فَعندَ اللَّهَ مَغانمُ كَثيرَةٌ ) * تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل : لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك ، وقوله سبحانه : * ( كَذَلكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) * تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه ردّ إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطىء الباطن والظاهر ولم تظهر فيه ، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فيه حيز الصلة ، والفاء في * ( فمنّ ) * للعطف على * ( كنتم ) * وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل : لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمناً معصوماً لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه ، فإنكم كنتم أنتم في مبادئ إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها ، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطاً مما يدل على التواطؤ ،