الآلوسي

116

تفسير الآلوسي

عن أبي الدرداء مثله ، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى " ، وأخرجا عن البراء بن عازب " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار " ، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار ، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر " ، واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمناً متعمداً في النار ، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى : * ( ومن كفر ) * ( آل عمران : 97 ) في آية الحج ، وقول صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود - كما في " الصحيحين " حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب - " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال " ، وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى عليَّ " وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال : " كنت جالساً بجنب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة ؟ فقال : لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " . وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس ، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على ما ذكرنا ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول : لمن قتل مؤمناً توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة ؟ قال : لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه : ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم ؟ ! قال : إني أظنه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك ، وكان هذا أيضاً شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له فإذا ابتلى رجل قالوا له : تب ، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم ، وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله أنه قال : ( فجزاؤه جهنم إن هو جازاه ) ، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل : وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذباً ، والأصل في هذا على ما قال الواحدي : إن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد ، وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار " " ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم : يا من إذا وعد وفا ، وإذا توعد عفا " ، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد ، ولم تعده نقصاً كما يدل عليه قوله : وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم ، فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض ، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها .