الآلوسي

108

تفسير الآلوسي

* ( واللَّهُ أرْكسَهُم بمَا كَسَبُواْ ) * حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق ، وقيل : من ضمير المخاطبين والرابط الواو ، وقيل : مستأنفة والباء للسببية ، وما إما مصدرية وإما موصولة ، وأركس وركس بمعنى ، واختلف في معنى الركس لغة ، فقيل : الرد - كما قيل - في قول أمية بن أبي الصلت : فأركسوا في جحيم النار أنهم * كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والمعنى حينئذ والله تعالى ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما كسبوه من الارتداد واللحوق بالمشركين أو نحو ذلك أو بسبب كسبهم ، وقيل : هو قريب من النكس ، وحاصله أنه تعالى رماهم منكسين فهو أبلغ من التنكيس لأن من يرمى منكساً في هوة قلما يخلص منها ، والمعنى أنه سبحانه بكسبهم الكفر ، أو بما كسبوه منه قلب حالهم ورماهم في حفر النيران . وأخرج ابن جرير عن السدي أنه فسر * ( أركسهم ) * بأضلهم وقد جاء الإركاس بمعنى الإضلال ، ومنه : ( وأركستني ) عن طريق الهدى * وصيرتني مثلاً للعدا وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : المعنى حبسهم في جهنم ، والبخاري عنه أن المعنى بددهم أي فرقهم وفرق شملهم ، وابن المنذر عن قتادة أهلكهم ، ولعلها معان ترجع إلى أصل واحد ، وروي عن عبد الله وأبيّ أنهما قرآ - ركسوا - بغير ألف ، وقد قرأ - ركّسهم - مشدداً . * ( أَتُريدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) * توبيخ للفئة القائلة بإيمان أولئك المنافقين على زعمهم ذلك ، وإشعار بأن يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى ، وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم مع أنهم بمعزل من ذلك سعي في هدايتهم وإرادة لها ، فالمراد بالموصول المنافقون إلا أن وضع موضع ضميرهم لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة ، وحمله على العموم ، والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً - كما زعمه أبو حيان - ليس بشيء ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره ببيان أن إرادته مما لا يمكن فضلاً عن إمكان نفسه ، والآية ظاهرة في مذهب الجماعة ، وحمل الهداية والإضلال على الحكم بها خلاف الظاهر ، ويبعده قوله تعالى : * ( وَمَنْ يُضلل اللَّهُ فَلَنْ تَجدَ لَهُ سَبيلاً ) * فإن المتبادر منه الخلق أي من يخلق فيه الضلال كائناً من كان ويدخل هنا من تقدم دخولاً أولياً - فلن تجد له سبيلاً من السبل فضلاً عن أن تهديه إليه ، والخطاب في * ( تجد ) * لغير معين ، أو لكل أحد من المخاطبين للإشعار ( بعدم ) الوجدان للكل على سبيل التفصيل ، ونفي وجدان السبيل أبلغ من نفي الهادي ، وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة بين الشرط والجزاء ، وجعل السبيل بمعنى الحجة ، وأن المعنى من يجعله الله تعالى في حكمه ضالاً فلن تجد له في ضلالته حجة - كما قال جعفر بن حرب - ليس بشيء كما لا يخفى ، والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر للإنكار السابق مؤكد لاستحالة الهداية ، أو حال من فاعل * ( تريدون ) * أو * ( تهدوا ) * ، والرابط الواو . . * ( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) * . * ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) * بيان لغلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالتهم في أنفسهم ، و * ( لو ) * مصدرية لا جواب لها أي تمنوا أن تكفروا ؛ وقوله تعالى : * ( كَمَا كَفَرُواْ ) * نعت لمصدر محذوف ، و ( ما ) مصدرية أي كفراً مثل كفرهم ، أو حال من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه ، ولا دلالة