الآلوسي

223

تفسير الآلوسي

رضي الله تعالى عنه بأنه لو استفيد من قوله سبحانه * ( فوق اثنتين ) * أن حال الإثنتين ليس حال الجماعة بناءاً على مفهوم الصفة فهو معارض بأنه يستفاد من واحدة أن حالهما ليس حال الواحدة لمفهوم العدد وقد قيل به ، وأجيب بالفرق بينهما فإن النساء ظاهر فيما فوقهما فلما أكد به صار محكماً في التخصيص بخلاف * ( وإن كانت واحدة ) * وأورد عليه بأن هذا إنما يتم على تقدير كون الظرف صفة مؤكدة لا خبراً بعد خبر ، وأجيب بأن قوله سبحانه : * ( نساء ) * ظاهر في كونها فوق اثنتين فعدم الاكتفاء به والإتيان بخبر بعده يدل دلالة صريحة على أن الحكم مقيد به لا يتجاوزه ، وأيضاً مما ينصر الحبر أن الدليلين لما تعارضا دار أمر البنتين بين الثلثين والنصف ، والمتيقن هو النصف ، والزائد مشكوك غير ثابت ، فتعين المصير إليه ، ولا يخفى أن الحديث الصحيح الذي سلف يهدم أمر التمسك بمثل هذه العرى ، ولعله لم يبلغه رضي الله تعالى عنه ذلك - كما قيل - فقال ما قال ، وفي " شرح الينبوع " نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في " شرح فرائض الوسيط " : صح رجوع ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن ذلك فصار إجماعاً ؛ وعليه فيحتمل أنه بلغه الحديث ، أو أنه أمعن النظر في الآية ففهم منها ما عليه الجمهور فرجع إلى وفاقهم . وحكاية النظام عنه رضي الله تعالى عنه في كتاب " النكت " أنه قال : للبنتين نصف وقيراط لأن للواحدة النصف ولما فوق الاثنتين الثلثين فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما مما لا تكاد تصح فافهم . * ( وَلأَبَوَيْه ) * أي الميت ذكراً كان أو أنثى غير النظم الكريم لعدم اختصاص حكمه بما قبله من الصور بل هو في الحقيقة شروع في إرث الأصول بعد ذكر إرث الفروع ، والمراد من الأبوين الأب والأم تغليباً للفظ الأب ، ولا يجوز أن يقال في ابن وبنت ابنان للإيهام فإن لم يوهم جاز ذلك كما قاله الزجاج * ( لكُلِّ واحد منْهُمَا ) * بدل من * ( لأبويه ) * بتكرير العامل ، وسط بين المبتدأ وهو قوله تعالى : * ( السُّدُسُ ) * والخبر ، وهو لأبويه - وزعم ابن المنير " أن في إعرابه بدلاً نظراً ، وذلك أنه يكون على هذا التقدير من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة ، ويكون أصل الكلام - والسدس - لأبويه لكل واحد منهما ومقتضى الاقتصار على المبدل منه التشريك بينهما في السدس كما قال سبحانه : * ( فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) * فاقتضى اشتراكهن فيه ، ومقتضى البدل لو قدر إهدار الأول إفراد كل واحد منهما بالسدس وعدم التشريك ، وهذا يناقض حقيقة هذا النوع من البدل إذ يلزم فيه أن يكون مؤدى المبدل منه والبدل واحداً ، وإنما فائدته التأكيد بمجموع الإسمين لا غير بلا زيادة معنى فإذا تحقق ما بينهما من التباين تعذرت البدلية المذكورة وليس من بدل التقسيم أيضاً على هذا الإعراب ، وإلا لزم زيادة معنى في البدل ، فالوجه ( والله أعلم ) أن يقدر مبتدأ ( محذوف كأنه قيل ) : ولأبويه الثلث ثم لما ذكر نصيبهما مجملاً فصله بقوله : * ( لكل واحد منهما السدس ) * وساغ حذف المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورة إذ يلزم من استحقاق كل واحد منهما السدس استحقاقهما معاً للثلث " ، ورده أبو حيان " بأن هذا بدل بعض من كل ولذلك أتى بالضمير ، ولا يتوهم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز أبواك يصنعان كذا ، وامتناع أبواك كل واحد منهما يصنعان كذا ، بل تقول : يصنع كذا " إلا أنه اعترض على جعل لأبويه خبر المبتدأ بأن البدل هو الذي يكون خبر المبتدأ في أمثال ذلك دون المبدل منه كما في المثال ، وتعقبه الحلبي بأن في هذه المناقشة نظراً لأنه إذا قيل لك : ما محل لأبويه من الإعراب ؟ تضطر إلى أن تقول : إنه في محل رفع على أنه خبر مقدم ،