الآلوسي

185

تفسير الآلوسي

وليس هو - كقول القائل - والرحم لأفعلن كذا ، ولقد فعلت كذا ، فلا يكون متعلق النهي في شيء ، والقول بأن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية - لا يخفى ما فيه فافهم - وقد خرج ابن جني هذه القراءة على تخريج آخر ، فقال في " الخصائص " : باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك . رسم دار وقفت في طلله أي رب رسم دار ، وكان رؤبة إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ يقول : خير عافاك الله تعالى - أي بخير - يحذف الباء لدلالة الحال عليها ، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة وفي " شرح المفصل " أن الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدم ذكرها ، وقد مشى على ذلك أيضاً الزمخشري في " أحاجيه " ، وذكر صاحب " الكشف " أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار في نحو - الله لأفعلن - وفي نحو - ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك - والحمل على ما ثبت هو الوجه ، ونقل عن بعضهم أن الواو للقسم على نحو - اتق الله تعالى فوالله إنه مطلع عليك - وترك الفاء لأن الاستئناف أقوى الأصلين وهو وجه حسن . وقرأ ابن زيد * ( والأرحام ) * بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أي والأرحام كذلك أي مما يتقى لقرينة * ( اتقوا ) * أو مما يتساءل به لقرينة * ( تساءلون ) * وقدره ابن عطية - أهل لأن توصل - وابن جني - مما يجب أن توصلوه وتحتاطوا فيه - ولعل الجملة حينئذ معترضة وإلا ففي العطف خفاء ، وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه سبحانه على أن صلتها بمكان منه تعالى ، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ؟ قال : نعم أما ترضين أني أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، قالت : بلى قال : فذلك لك " وأخرج البزار بإسناد حسن " الرحم حجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان زلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله تعالى : أنا الرحمن أنا الرحيم فإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته " . وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح : " إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة " . والأخبار في هذا الباب كثيرة ، والمراد بالرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب وإن بَعُدَ ، ويطلق على الأقارب من جهة النساء وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقاً . * ( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيباً ) * أي حفيظاً - قاله مجاهد - فهو من رقبه بمعنى حفظه - كما قاله الراغب - وقد يفسر بالمطلع ، ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه ، ومن هنا فسره ابن زيد بالعالم ، وعلى كل فهو فعيل بمعنى فاعل ، والجملة في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال ، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار لرعاية الفواصل . * ( وَءَاتُواْ الْيَتَامَى أَمْوالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ) * . * ( وَءَاتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) * شروع في تفصيل موارد الاتقاء على أتم وجه ؛ وبدأ بما يتعلق باليتامى إظهاراً لكمال العناية بشأنهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأوصياء والأولياء وقلما تفوض الوصاية لأجنبي ، واليتيم - من الإنسان من مات أبوه ، ومن سائر الحيوانات فاقد الأم - من اليتم وهو الانفراد ، ومن هنا يطلق على كل شيء عزَّ نظيره ، ومنه الدرة