الآلوسي
175
تفسير الآلوسي
كأنه قيل : لهم أجر عند ربهم عن قريب ، وفصلت لأن الحكم بقرب الأجر مما يؤكد ثبوته ثم لما بين سبحانه في تضاعيف هذه السورة الكريمة - ما بين من الحكم والأحكام وشرح أحوال المؤمنين والكافرين وما قاساه المؤمنون الكرام من أولئك اللئام من الآلام - ختم السورة بما يضوع منه مسك التمسك بما مضى ، ويضيع بامتثال ما فيه مكايد الأعداء ولو ضاق لها الفضا [ بم فقال عز من قائل : * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * . * ( يَاأيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُواْ اصْبرُواْ ) * أي احبسوا نفوسكم عن الجزع مما ينالها ، والظاهر أن المراد الأمر بما يعم أقسام الصبر الثلاثة المتفاوتة في الدرجة الواردة في الخبر ، وهو الصبر على المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية * ( وَصَابرُواْ ) * أي اصبروا على شدائد الحرب مع أعداء الله تعالى صبراً أكثر من صبرهم ، وذكره بعد الأمر بالصبر العام لأنه أشدّ فيكون أفضل ، فالعطف كعطف جبريل على الملائكة والصلاة الوسطى على الصلوات ، وهذا وإن آل إلى الأمر بالجهاد إلا أنه أبلغ منه . * ( وَرَابطُواْ ) * أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها حابسين لها مترصدين للغزو مستعدين له بالغين في ذلك المبلغ الأوفى أكثر من أعدائكم ، والمرابطة أيضاً نوع من الصبر ، فالعطف هنا كالعطف السابق . وقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها " ، وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من مات مرابطاً في سبيل الله تعالى أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله تعالى آمناً من الفزع " ، وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من رابط يوماً في سبيل الله تعالى جعل الله تعالى بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سماوات وسبع أرضين " ، وأخرج أبو الشيخ عن أنس مرفوعاً " الصلاة بأرض الرباط بألف ألفي صلاة " . وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرباط أفضل من الجهاد لأنه حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين . * ( واتَّقُواْ اللَّهَ ) * في مخالفة أمره على الإطلاق فيندرج فيه جميع ما مرّ اندرجا أولياً . * ( لَعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ ) * أي لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية ودرك البغية والوصول إلى النجح في الطلبة وذلك حقيقة الفلاح ، وهذه الآية على ما سمعت مشتملة على ما يرشد المؤمن إلى ما فيه مصلحة الدين والدنيا ويرقى به إلى الذروة العليا ، وقرر ذلك بعضهم بأن أحوال الإنسان قسمان : الأول : ما يتعلق به وحده ، والثاني : ما يتعلق به من حيث المشاركة مع أهل المنزل والمدينة ، وقد أمر سبحانه - نظراً إلى الأول - بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر ، والاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها ، وأمر - نظراً إلى الثاني - بالمصابرة ويدخل فيها تحمل الأخلاق الردية من الأقارب والأجانب وترك الانتقام منهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد مع أعداء الدين باللسان والسنان ، ثم إنه لما كان تكليف الإنسان بما ذكر لا بد له من إصلاح القوى النفسانية الباعثة على أضداد ذلك أمره سبحانه بالمرابطة أعم من أن تكون مرابطة ثغر أو نفس ، ثم لما كانت ملاحظة الحق جل وعلا لا بدّ منها في جميع الأعمال والأقوال حتى يكون معتداً بها أمر سبحانه بالتقوى ، ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام بوظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه انتهى ، ولا يخفى أنه على ما فيه تمحل ظاهر وتعسف لا ينكره إلا مكابر ، وأولى منه أن يقال : إنه تعالى أمر بالصبر العام أولاً لأنه كما في الخبز بمنزلة الرأس من الجسد وهو مفتاح الفرج .