الآلوسي
165
تفسير الآلوسي
والتكفير قد يستعمل في فعل العبد - كما يقال : كفّر عن يمينه - وهو يقتضي أن يكون الثاني أخف من الأول على تحمل ما فيه إنما يقتضي مجرد الأخفية . وأما كون الأول الكبائر والثاني الصغائر بالمعنى المراد فلا يجوز يراد بالأول والثاني ما ذكر في القول الثالث ، فإن الأخفية وعدمها فيه مما لا سترة عليه كما لا يخفى ، ثم المفهوم من كثير من عبارات اللغويين عدم الفرق بين الغفران والتكفير بل صرح بعضهم بأن معناهما واحد . وقيل : في التكفير معنى زائد وهو التغطية للأمن من الفضيحة ، وقيل : إنه كثيراً ما يعتبر فيه معنى الإذهاب والإزالة ولهذا يعدى بعن والغفران ليس كذلك ، وفي ذكر * ( لنا ) * و * ( عنا ) * في الأية مع أنه لو قيل : فاغفر ذنوبنا وكفر سيئآتنا لأفاد المقصود إيماء إلى وفور الرغبة في هذين الأمرين ، وادعى بعضهم أن الدعاء الأول متضمن للدعاء بتوفيق الله تعالى للتوبة لأنه السبب لمغفرة الكبائر وأن الدعاء الثاني متضمن لطلب التوفيق منه سبحانه للاجتناب عن الكبائر لأنه السبب لتكفير الصغائر ، وأنت تعلم المغفرة غير مشروطة بالتوبة عند الأشاعرة . وأن بعضهم احتج بهذه الآية على ذلك حيث إنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب كذا قيل ، وسيأتي تحقيق ما فيه فتدبر . * ( وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَار ) * أي مخصوصين بالانخراط في سلكهم والعدّ من زمرتهم ولا مجال لكون المعية زمانية إذ منهم من مات قبل ، ومن يموت بَعْدُ ، وفي طلبهم التوفي وإسنادهم له إلى الله تعالى إشعار بأنهم يحبون لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه . والأبرار جمع برّ كأرباب جمع رب ، وقيل : جمع بارّ كأصحاب جمع صاحب ، وضعف بأن فاعلاً لا يجمع على أفعال ، وأصحاب جمع صحب بالسكون ، أو صحب بالكسر مخفف صاحب بحذف الألف . وبعض أهل العربية أثبته وجعله نادراً ، ونكتة قولهم * ( مع الأبرار ) * دون أبراراً التذلل ، وأن المراد لسنا بأبرار فاسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم ، وفي " الكشف " إن في ذلك هضماً للنفس وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب - وهو من العلماء - بدل عالم . * ( رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) * . * ( رَبَّنَا وءَاتنَا ) * أي بعد التوفي * ( مَا وَعَدتَّنَا ) * أي به أو إياه ، والمراد بذلك الثواب * ( عَلَى رُسُلكَ ) * إما متعلق بالوعد ، أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف وعلى التقديرين في الكلام مضاف محذوف والتقدير على التقدير الأول ، وعدتنا على تصديق أو امتثال رسلك وهو كما يقال - وعد الله تعالى الجنة على الطاعة ، وعلى الثاني وعدتنا وعداً كائناً على ألسنة رسلك ، ويجوز أن يتعلق الجار على تقدير الألسنة بالوعد أيضاً فتخف مؤنة الحذف وتعلقه - بآتنا - كما جوزه أبو البقاء خلاف الظاهر . وبعض المحققين جوز التعلق بكون مقيد هو حال من ( ما ) أي منزلا أو محمولاً * ( على رسلك ) * . واعترضه أبو حيان بأن القاعدة أن متعلق الظرف إذا كان كوناً مقيداً لا يجوز حذفه وإنما يحذف إذا كان كوناً مطلقاً ، وأيضاً الظرف هنا حال وهو إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفة يتعلق بكون مطلق لا مقيد ، وأجيب بمنع انحصار التعلق في كون مطلق بل يجوز التعلق به أو بمقيد ، ويجوز حذفه إذا كان عليه دليل ولا يخفى متانة الجواب ، وأن إنكار أبي حيان ليس بشيء إلا أن تقدير كون مقيد فيما نحن فيه تعسف مستغنى عنه . وزعم بعضهم جواز كون * ( على ) * بمعنى مع ، وأنه متعلق - بآتنا - ولا حذف لشيء أصلاً ، والمراد - آتنا مع رسلك وشاركهم معنا في أجرنا - فإن الدال على الخير كفاعله ، وفائدة طلب تشريكهم معهم أداء حقهم وتكثير فضيلهم ببركة مشاركتهم ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه ، بل ولا كلام أحد من