الآلوسي

119

تفسير الآلوسي

* ( هُمْ للْكُفْر يَوْمَئذ أَقْرَبُ منْهُمْ للاِْيمَان ) * أي هم يوم إذ قالوا لو نعلم الخ أقرب للكفر منهم قبل ذلك لظهور أمارته عليهم بانخذالهم عن نصرة المؤمنين واعتذارهم لهم على وجه الدغل والاستهزاء . والظروف كلها في المشهور عند المعربين متعلقة - بأقرب - ومن قواعدهم أنه لا يتعلق حرفا جر ، أو ظرفان بمعنى بمتعلق واحد إلا في ثلاث صور : إحداها : أن يتعلق أحدهمابه مطلقاً ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأول ، وثانيتها : أن يكون الثاني تابعاً للأول ببدلية ونحوها ، وثالثتها : أن يكون المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد والمطلق ، وما نحن فيه من هذا القبيل كأنه قيل قربهم من الكفر يزيد على قربهم من الإيمان ، واللام الجارة في الموضعين بمعنى إلى بناءاً على ما قيل : إن صلة القرب تكون من وإلى لا غير ، تقول : قرب منه وإليه ، ولا تقول له ، أو على حالها بناءاً على ما في " الدر المصون " أن القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة أحرف اللام وإلى ومن ، وقيل : إن أقرب هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء ومنه القارب لسفينته ، وليلة القرب أي الورود ، والمعنى هم أطلب للكفر وحينئذ يتعدى باللام اتفاقاً . وزعم بعضهم أن اللام هنا للتعليل والتقدير هم لأجل كفرهم يومئذ أقرب من الكافرين منهم من المؤمنين لأجل إيمانهم ، ولا ينبغي أن يخرج كلام الله تعالى عليه لمزيد بعده وركاكة نظمه لو صرح بما حذف فيه . وجوز أن يقدر في الكلام مضاف وهو أهل ، واللام متعلقة بتمييز محذوف وهو نصرة والمعنى هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان إذ كان انخذالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلاً للمؤمنين ، وهذا كما تقول : أنا لزيد أشدّ ضرباً مني لعمرو ، وأنت تعلم أنه يمكن تعلق اللام بالتمييز عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضاً ، وادعى الواحدي أن في الآية دليلاً على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر القول بتكفيرهم . وقال الحسن : إذا قال الله تعالى * ( أقرب ) * فهو لليقين بأنهم مشركون ولا يخفى أن الآية كالصريح في كفرهم لكنهم مع هذا لا يستحقون أن يعاملوا بذلك معاملة الكفار ولعله لأمر آخر . * ( يَقُولُونَ بأفْواههم مَّا لَيْسَ في قُلُوبهمْ ) * جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقاً لا في ذلك اليوم فقط ولذا فصلت ، وقيل : حال من ضمير أقرب وتقييد القول بالأفواه إما بيان لأنه كلام لفظي لا نفسي ، وإما تأكيد على حدّ * ( ولا طائر يطير بجناحيه ) * ( الأنعام : 38 ) والمراد أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون ؛ وقال شيخ الإسلام : " إن ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم وإن ما عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان تارة وفي القلب أخرى ، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتاً وصفة وإن اختلفا مظهراً ، وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول أصلاً ، وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال ، والمعنى يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها ما حكى عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيء منهما ، أحدهما : عدم العلم بالقتال والآخر : الاتباع على تقدير العلم به وقد كذبوا فيهما كذباً بيّناً حيث كانوا عالمين به ( غير ناوين للاتباع بل كانوا ) مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد " ، واختار بعضهم كون * ( ما ) * عبارة عن القول الملفوظ ، ومعنى كونه ليس في قلوبهم أنه غير معتقد لهم ولا متصور عندهم إلا كتصور زوجية الثلاثة مثلاً والحكم عام ؛ ويدخل فيه حكم ما تفوهوا به من مجموع القضية الشرطية لا خصوص المقدم فقط ولا خصوص