الآلوسي
112
تفسير الآلوسي
فتكون معطوفة على * ( باء بسخط ) * عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية ، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب * ( وَبئْسَ الْمَصيرُ ) * إما تذييل أو اعتراض ، أو معطوف على الصلة بتقدير ويقال في حقهم ذلك ، وأياً مّا كان فالمخصوص بالذم محذوف أي ( وبئس المصير ) جهنم ، والمصير اسم مكان ، ويحتمل المصدرية وفرقوا بينه وبين المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم لما كان عليه في الدنيا لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفاً ، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها كقولك : مرجع ابن آدم إلى التراب ، وأما قولهم : مرجع العباد إلى الله تعالى فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئاً كما كان قبل ما ملكوا . * ( هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) * * ( هُمْ ) * عائد على الموصولين باعتبار المعنى وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : * ( دَرَجَاتٌ ) * خبره والمراد هم متفاوتون إطلاقاً للملزوم على اللازم ، أو شبههم بالدرج في تفاوتهم علواً وسفلاً على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيهاً بليغاً بحذف الأداة ، وقيل : إن الكلام على حذف مضاف ولا تشبيه أي هم ذوو درجات أي منازل أو أحوال متفاوتة ، وهذا معنى قول مجاهد والسدي : لهم درجات ، وذهب بعضهم أن في الآية حينئذٍ تغليب الدرجات على الدركات إذ الأول للأول ، والثاني للثاني * ( عندَ الله ) * أي في علمه وحكمه ، والظرف متعلق بدرجات على المعنى ، أو بمحذوف وقع صفة لها . * ( واللَّهُ بَصيرُ بمَا يَعْمَلُونَ ) * من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها - والبصير - كما قال حجة الإسلام هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضاً منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان ، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان ، فإن ذلك من التغيير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه تعالى عبارة عن الصفة ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما نفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات انتهى ، ويفهم منه أن البصر صفة زائدة على العلم - وهو الذي ذهب إليه الجمهور منا ومن المعتزلة . والكرامية قالوا : لأنا إذا علمنا شيئاً علماً جلياً ثم أبصرناه نجد فرقاً بين الحالتين بالبديهة ، وإن في الحالة الثانية حالة زائدة هي الإبصار . وقال الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري والغزالي عند بعض وادعى أن كلامه هذا مشير إليه أن بصره تعالى عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات ، ومثل هذا الخلاف في السمع ، والحق أنهما زائدان على صفة العلم وأنهما لا يكيفان ولا يحدّان والإقرار بهما واجب كما وصف بهما سبحانه نفسه ، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح وإليه ينشرح الصدر . * ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابوالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . * ( لَقدْ مَنَّ اللَّهُ ) * أي أنعم وتفضل ، وأصل المنّ القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة مناً لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها ، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد منّ الله * ( عَلَى الْمُؤْمنينَ ) * أي من قومه أو من العرب مطلقاً أو من الإنس - وخير الثلاثة الوسط - وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة - والأول خير من الثالث - وأياً مّا كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري : المؤمنون من هؤلاء في علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان . * ( إذْ بَعَثَ فيهمْ ) * أي بينهم * ( رَسُولاً ) * عظيم القدر جليل الشأن * ( مِّنْ أَنفُسهمْ ) * أي من نسبهم ، أو من جنسهم عربياً مثلهم أو من بني آدم لا ملكاً ولا جنياً و * ( إذ ) * ظرف - لمنّ - وهو وإن