السيد جعفر مرتضى العاملي
59
الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )
مشورة ابن عمر : وتقدم : أنه بعد أن رجع المغيرة وابن العاص خائبين أشار ابن عمر على عثمان بأن يرسل علياً « عليه السلام » إليهم ، فإن مكانته تفرض عليهم القبول منه . ولا نظن أن عثمان كان يجهل ذلك . ولكنه كان يكابر ، ويحاول أن يتجاهل الحقيقة الناصعة . . لأنه يتوهم أن علياً هو الذي سيفوز بالأمر من بعده . . ولا يريد أن يقبل أية مشورة تأتي من قِبَلِهِ . ولعل إصرار علي « عليه السلام » على إصلاح الأمور ، قد زاد توهمات عثمان ، وأذكاها ، وهو يرى أنه « عليه السلام » لا يخطئ ناصحي عثمان ومنتقديه ، بل هو يشاركهم الرأي في لزوم إصلاح للخلل ، والتراجع عن الأخطاء . . مع أنه لا مبرر لخوفه ، فإن علياً أثبت له بالعمل قبل القول : أنه يريد الإصلاح ، ولا يريد الانتقام ، ولا الحصول على أي امتياز . . وقد أظهرت الوقائع قبل وبعد قتل عثمان : أن غير علي « عليه السلام » كان هو الطامح والطامع ، وعلي « عليه السلام » وحده هو البعيد كل البعد عن التفكير بهذه الطريقة ، بل بلغ به الأمر : أنه بعد مقتل عثمان كان يهرب منهم ، ويقول : دعوني والتمسوا غيري ، وبقي خمسة أيام يدافعهم ، ويتوارى عنهم في حيطان ( أي بساتين ) المدينة . وهم يلاحقونه ويصرون عليه . إن حب عثمان للخلافة ، وشدة تعلقه بها ، والتزامه حماية عماله وأقاربه ، والدفاع عن كل جرائمهم ، ومخالفاتهم هو الذي كان يأسره ويهيمن عليه . .