السيد جعفر مرتضى العاملي
17
الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )
فعثمان قد قال أولاً : رحم الله أبا ذر . . فكرر عمار كلامه قائلاً : فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا . . ثم قال عثمان بعد أن شتم عماراً : أتظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة ؟ . . فقال عمار : لا والله ما أرى ذلك . . وهو جواب يتضمن الموافقة على ما يرمي إليه ، فلماذا يشتمه على ترديده لكلامه . . ثم يأمرهم بأن يدفعوا في قفاه ، ثم يعلن قرار نفيه إلى نفس الموضع الذي نفى إليه أبا ذر ، ووافته المنية فيه ؟ ! 2 - وقد يبدو أن رد فعل عمار على قرار عثمان بنفيه كان قاسياً في ظاهره ، ولكنه أيضاً كان عين الواقع والحقيقة ، حين قال له : جوار السباع أحب إلى من جوارك . . فعثمان يبطش بكل من تناله يده ، ولا يراعي حرمات الناس ، وهو يفعل ذلك مع علمه بأنه محظور عليه شرعاً ، ومنافر للفطرة الإنسانية . . أما السباع ، فإنها حين تبطش بفريستها ، تنسجم بذلك مع فطرتها ، وذلك هو مقتضى طبعها . . فجوار السباع يحتم التحرز منها ، من دون أن يكون هناك أي عذاب روحي ، أو جرح للمشاعر فيما عدا ما ينتاب الإنسان من خوف منها ، فإذا أمكن للإنسان أن يتحرز منها زال خوفه ، وعادت حياته إلى طبيعتها . . ولتصبح من ثم حياة رضية وهادئة وهانئة . . بخلاف جواز من يفعل ما يخالف فطرته ، وما يناقض ما يحكم به عقله ، وضد ما يرتضيه وجدانه وضميره .