الآلوسي
61
تفسير الآلوسي
ولما رأيت النسر عز - ابن داية - * وعشش في وكريه جاش له صدري قالوا : ولكل وجه ، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان - كطلحة - مفرداً وهو غير منصرف ، وأما الصرف فلأن المضاف إليه في أصله اسم جنس - والمضاف كذلك - وكل منهما بانفراده ليس بعلم ، وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه ؛ ولا يكون لمنع الصرف مدخل فليحفظ ، وبالجملة المعول عليه أن رمضان وحده علم وهو علم جنس لما علمت ، ومنع بعضهم أن يقال : رمضان بدون شهر لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً " لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان " وإلى ذلك ذهب مجاهد - والصحيح الجواز - فقد روي ذلك في الصحيح - والاحتياط لا يخفى - وإنما سمي الشهر به لأن الذنوب ترمض فيه - قاله ابن عمر - وروى ذلك أنس وعائشة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة ، وكان اسمه قبل ناتقاً ، ولعل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم مبين لما ينبغي أن يكون وجه التسمية عند المسلمين ، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير على ما هو الظاهر . * ( الَّذيأُنزلَ فيه الْقُرْءَانُ ) * أي ابتدىء فيه إنزاله - وكان ذلك ليلة القدر - قاله ابن إسحاق ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جبير والحسن أنه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة ، وقيل : أنزل في شأنه القرآن ، وهو قوله تعالى : * ( كتب عليكم الصيام ) * ( البقرة : 183 ) وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين ، والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين " ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبة عظيمة كان هذا الشهر المختص بنزولها مختصاً بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية ، وسبب قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية . * ( هُدًى لِّلنَّاس وَبَيِّنَات مِّنَ الْهُدَى والْفُرْقَان ) * حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما ( أنزل ) أي أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير ، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق ، والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يشعر بذلك جعله بينات منها فهو هاد بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكرراً ، وقيل : مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية فيه كما تقول عالم نحرير . * ( فَمَن شَهدَ منكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) * ( من ) شرطية أو موصولة - والفاء - إما جواب الشرط ، أو زائدة في الخبر ، و * ( منكم ) * في محل نصب على الحال من المستكن في * ( شهد ) * والتقييد به لإخراج الصبي والمجنون ، و * ( شهد ) * من الشهود والتركيب يدل على الحضور إما ذاتاً أو علماً ، وقد قيل : بكل منهما هنا ، و * ( الشهر ) * على الأول : مفعول فيه والمفعول به متروك لعدم تعلق الغرض به فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء ، وعلى الثاني : مفعول به بحذف المضاف أي هلال الشهر - وأل - فيه على التقديرين للعهد ووضع المظهر موضع المضمر للتعظيم ونصب الضمير المتصل في - يصمه - على الاتساع لأن صام لازم والمعنى فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه أو من علم هلال الشهر وتيقن به فليصم ، ومفاد الآية على هذا عدم وجوب