الآلوسي

36

تفسير الآلوسي

الأصل في - الواو - العطف ، وفي الجملة الاستقلال ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم الاحتياج إلى تقدير ( قد ) والباء من * ( بهم ) * للسببية ، أي تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة ، وقيل : للملابسة أي - تقطعت الأسباب - موصولة بهم كقولك : خرج زيد بثيابه ، وقيل : بمعنى عن ، وقيل : للتعدية ، أي - قطعتهم الأسباب - كما تقول : تفرقت بهم الطريق ، ومنه قوله تعالى : * ( فتفرق بكم عن سبيله ) * ( الأنعام : 153 ) وأصل - السبب - الحبل مطلقاً ، أو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف ، أو الحبل الذي يرتقي به النخل . والمراد بالأسباب هنا الوصل التي كانت بين - الأتباع والمتبوعين - في الدنيا من الأنساب والمحاب ، والاتفاق على الدين ، والاتباع والاستتباع ، وقرئ * ( تقطعت ) * بالبناء للمفعول - وتقطع - جاء لازماً ومتعدياً . * ( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَالِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) * * ( وَقَالَ الَّذينَ اتَّبَعواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ) * أي لو ثبت لنا عودة ورجوع إلى الدنيا . * ( فَنَتَبَرَّأَ منْهُمْ ) * أي من المتبوعين * ( كَمَا تَبَرَّءُواْ منَّا ) * تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله تعالى فيتبرءوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حشروا جميعاً مثل تبرىء المتبوعين منهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم ، أي كما جعلوا بالتبري غائظين متحيرين على متابعتهم نجعلهم أيضاً بالتبري غائظين متحيرين على ما حصل لنا بترك متابعتهم ، ولذا لم يتبرءوا منهم قبل تمني الرجوع لأنه لا يغيظ المتبوعين حيث تبرءوا من الأتباع أو لا ، ومن هنا يظهر وجه القراءة على البناء للفاعل لأن تبرؤ الأتباع من المتبوعين بالآخرة بالانفصال عنهم بعد ما تبين لهم عدم نفعهم ، وذلك لا يغيظ المتبوعين لاشتغال كل منهم بما يقاسيه ، فلذا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليتبرءوا منهم تبرؤاً يغيظهم . وأما قوله سبحانه : * ( كما تبرءوا ) * فلا يقتضي إلا وقوع التبرؤ من المتبوعين - وهو منصوص في آية أخرى - ولا يقتضي أن يكون مذكوراً فيما سبق ، وقيل : إن الأتباع بعد أن - تبرءوا - من المتبوعين يوم القيامة تمنوا الكرة إلى الدنيا مع متبوعيهم ليتبرءوا منهم فيها ويخذلوهم - فيجتمع لهم ذل الدنيا والآخرة - ويحتاج هذا التوجيه إلى اعتبار التغليب في * ( لنا ) * أي لنا ولهم ، إذ التبرؤ في الدنيا إنما يتصور إذا رجع كلتا الطائفتين . * ( كَذَلكَ ) * في موضع المفعول المطلق لما بعده ، والمشار إليه الإراء المفهوم من * ( إذ يرون ) * ( البقرة : 165 ) أي كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبري ، وتقطع الأسباب وتمني الرجعة . * ( يُريهمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرات عَلَيْهمْ ) * وجوّز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد - والكاف - مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحله النصب على المصدرية أيضاً ، أي ذلك الإراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ( البقرة : 143 ) والجملة تذييل لتأكيد الوعيد ، وبيان حال المشركين في الآخرة وخلود عذابهم ، ويجوز أن تكون استئنافاً كأنه لما بولغ في وعيدهم وتفظيع عذابهم كان محل أن يتردد السامع ويسأل هل لهم سوى ذلك من العذاب أم تم ؟ فأجيب بما ترى ، و ( حسرات ) أي ندمات وهو مفعول ثالث ليرى إن كانت الرؤية قلبية ، وحال من ( أعمالهم ) إن كانت بصرية ، ومعنى رؤية هؤلاء المشركين أعمالهم السيئة يوم القيامة حسرات رؤيتها مسطورة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وتيقن الجزاء عليها ، فعند ذلك يندمون على ما فرطوا في جنب الله تعالى ، و ( عليهم ) صفة ( حسرات ) وجوّز تعلقه بها على حذف المضاف أي تفريطهم ، لأن - حسر - يتعدى - بعلى - واستدل بالآية من ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالفروع . * ( وَمَا هُم بخارجينَ منَ النَّار ) * المتبادر في أمثاله حصر النفي في المسند إليه نحو * ( وما أنا