الآلوسي

13

تفسير الآلوسي

الحسن - ودليل الاستطراد ( ولكل وجهة ) ( البقرة : 148 ) نعم إن قيل : بمجرد الجواز فلا بأس إذ هو محتمل ، ولعله الظاهر بالنظر الجليل ، وقيل : الضمير - للعلم - المذكور بقوله تعالى : * ( من بعد ما جاءك من العلم ) * أو القرآن بادعاء حضوره في الأذهان ، أو للتحويل لدلالة مضمون الكلام السابق عليه ، وفيه أن التشبيه يأبى ذلك لأن المناسب تشبيه الشيء بما هو من جنسه ، فكان الواجب في نظر البلاغة حينئذٍ كما يعرفون التوراة أو الصخرة ، وأن التخصيص بأهل الكتاب يقتضي أن تكون هذه المعرفة مستفادة من ( الكتاب ) وقد أخبر سبحانه عن ذكر نعته صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل بخلاف المذكورات فإنها غير مذكور فيه ذكرها فيهما - والكاف - في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف أي : يعرفونه بالأوصاف المذكورة في الكتاب بأنه النبي الموعود بحيث لا يلتبس عليهم عرفاناً مثل - عرفانهم أبناءهم - بحيث لا تلتبس عليهم أشخاصهم بغيرهم ، وهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية في أن كلاً منهما يتعذر الاشتباه فيه ، والمراد - بالأبناء - الذكور لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء ، وألصق وأعلق بقلوبهم من البنات ، فكان ظن اشتباه أشخاصهم أبعد ، وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس لأن الإنسان قد يمر عليه قطعة من الزمان لا يعرف فيها نفسه كزمن الطفولية - بخلاف الأبناء - فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه . وما حكي عن عبد الله بن سلام أنه قال في شأنه صلى الله عليه وسلم : أنا أعلم به مني بابني ، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : لِمَ ؟ قال : لأني لست أشك بمحمد أنه نبي ، فأما ولدي فلعل والدته خانت ، فقبل عمر رضي الله تعالى عنه رأسه ، فمعناه : أني لست أشك في نبوته عليه الصلاة والسلام بوجه ، وأما ولدي فأشك في بنوته وإن لم أشك بشخصه ، وهو المشبه به في الآية فلا يتوهم منه أن - معرفة الأبناء - لا تستحق أن يشبه بها لأنها دون المشبه للاحتمال ، ولا يحتاج إلى القول بأنه يكفي في وجه الشبه كونه أشهر في المشبه به - وإن لم يكن أقوى - ومعرفة الأبناء - أشهر من غيرها ، ولا إلى تكلف أن المشبه به في الآية إضافة - الأبناء - إليهم مطلقاً سواء كانت حقة أو لا . وما ذكره ابن سلام كونه ابناً له في الواقع . * ( وَإنَّ فَريقاً مِّنْهُمْ ) * وهم الذين لم يسلموا . * ( لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) * الذي يعرفونه * ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) * جملة حالية ، و * ( يعلمون ) * إما منزلة منزلة اللازم ففيه تنبيه على كمال شناعة كتمان الحق وأنه لا يليق بأهل العلم ، أو المفعول محذوف أي : يعلمونه فيكون حالاً مؤكدة لأن لفظ ( يكتمون الحق ) يدل على علمه إذ - الكتم - إخفاء ما يعلم ، أو يعلمون عقاب الكتمان ، أو أنهم يكتمون فتكون مبينة ، وهذه الجملة عطف على ما تقدم من عطف الخاص على العام ، وفائدته تخصيص من عاند وكتم بالذم ، واستثناء من آمن وأظهر علمه عن حكم الكتمان . * ( الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) * * ( الْحَقُّ من رَّبِّكَ ) * استئناف كلام قصد به رد الكاتمين ، وتحقيق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا فصل ، والحق إما مبتدأ خبره الجار - واللام - إما للعهد إشارة إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا ذكر بلفظ المظهر أو الحق الذي كتمه هؤلاء ووضع فيه المظهر موضع المضمر تقريراً لحقيته وتثبيتاً لها ، أو للجنس وهو يفيد قصر جنس الحق على ما ثبت من الله أي أن الحق ذلك كالذي أنت عليه لا غيره كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ، أو هذا الحق ، و * ( من ربك ) * خبر بعد خبر أو حال مؤكدة - واللام - حينئذٍ للجنس كما في * ( ذلك الكتاب ) * ( البقرة : م 2 ) ومعناه أن ما يكتمونه هو الحق - لا ما يدعونه ويزعمونه - ولا معنى حينئذٍ للعهد لأدائه إلى التكرار فيحتاج