الآلوسي

116

تفسير الآلوسي

معنى متقدم الذكر ، ويجوز أن يكون المشار إليه جميع ما ذكر من قوله سبحانه : * ( يسئلونك ماذا ينفقون ) * إذ لا مخصص مع كون التعميم أفيد والقرب إنما يرجح القريب على ما سواه فقط وجعل المشار إليه قوله عز شأنه : * ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) * على ما فيه لا يخفى بعده ، والكاف في موضع النصب صفة لمحذوف ، واللام في ( الآيات ) للجنس أي يبين لكم الآيات المشتملة على الأحكام تبييناً مثل هذا التبيين إما بإنزالها واضحة الدلالة ، أو بإزالة إجمالها بآية أخرى أو ببيان من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مقتضى الظاهر أن يقال - كذلك - على طبق ( لكم ) لكنه وحد بتأويل نحو القبيلة ، أو الجمع مما هو مفرد اللفظ جمع المعنى روما للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم الإشارة ، وقيل : إن الإفراد للإيذان بأن المراد به كل من يتلقى الكلام كما في قوله تعالى : * ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ) * ( البقرة : 52 ) وفيه أنه يلزم تعدد الخطاب في كلام واحد من غير عطف وذا لا يجوز كما نص عليه الرضي * ( لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) * أي في الآيات فتستنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها وبهذا التقدير حسن كون ترجي التفكر غاية لتبيين الآيات . * ( فِى الدُّنْيَا والاَْخِرَةِ وَيَسْالُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * * ( في الدُّنْيَا والآخرَة ) * أي في أمورهما فتأخذون بالأصلح منهما وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم أو يضركم أكثر مما ينفعكم ، والجار بعد تقدير المضاف متعلق ب * ( تتفكرون ) * ( البقرة : 219 ) بعد تقييده بالأول ، وقيل : يجوز أن يتعلق ب * ( يبين ) * ( البقرة : 219 ) أي يبين لكم الآيات فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون وقدم التفكر للاهتمام ، وفيه أنه خلاف ظاهر النظم مع أن ترجى أصل التفكر ليس غاية لعموم التبيين فلا بد من عموم التفكر فيكون المراد - لعلكم تتفكرون في أمور الدنيا والآخرة - وفي التكرار ركاكة ، وقيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً من الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي مبينة لأحوالكم المتعلقة بهما ولا يخفى ما فيه ، ومن الناس من لم يقدر - ليتفكرون - متعلقاً وجعل المذكور متعلقاً بها أي بين الله لكم الآيات لتتفكروا في الدنيا وزوالها والآخرة وبقائها فتعلموا فضل الآخرة على الدنيا وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقتادة والحسن . * ( وَيَسْئَلُونَكَ عَن الْيَتَامَى ) * عطف على ما قبله من نظيره ، أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما أنزل الله تعالى : * ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) * ( الأنعام : 152 ) و * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ) * ( النساء : 10 ) الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فيرمى به فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، والمعنى - يسألونك عن القيام بأمر اليتامى ، أو التصرف في أموالهم ، أو عن أمرهم وكيف يكونون معهم - * ( قُلْ إصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ) * أي مداخلتهم مداخلة يترتب عليها إصلاحهم أو إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير من مجانبتهم ، وفي الاحتمال الأول إقامة غاية الشيء مقامه . * ( وَإن تُخَالطُوهُمْ فَإخُوانُكُمْ ) * عطف على سابقه والمقصود الحث على المخالطة المشروطة بالإصلاح مطلقاً أي إن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والمصاهرة تؤدوا اللائق بكم لأنهم إخوانكم أي في الدين ؛ وبذلك قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وأخرج عبد بن حميد عنه المخالطة أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه ويأكل من في قصعتك وتأكل في قصعته ويأكل من تمرتك وتأكل من تمرته ، واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بالمخالطة المصاهرة ، وأيد بما نقله الزجاج أنهم كانوا يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم العشرة ويأكلون أموالهم فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزوج بهم