الآلوسي
114
تفسير الآلوسي
يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله مع حرمانه ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمّون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم . ونقل الأزهري كيفية أخرى لذلك ولم يذكر - الوغد - في الأسماء بل ذكر غيره ، والذي اعتمده الزمخشري وكثيرون ما ذكرناه ، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال : كل سهام الياسرين عشرة * فأودعوها صحفاً منشره لها فروض ولها نصيب * الفذ والتوأم والرقيب والحلس يتلوهنّ ثم النافس * وبعده مسبلهن السادس ثم المعلى كاسمه المعلى * صاحبه في الياسرين الأعلى والوغد والسفيح والمنيح * غفل فما فيما يرى ربيح وفي حكم ذلك جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب والقرعة في غير القسمة وجميع أنواع المخاطرة والرهان ، وعن ابن سيرين - كل شيء فيه خطر فهو من الميسر - ومعنى الآية يسألونك عما في تعاطي هذين الأمرين ، ودل على التقدير بقوله تعالى : * ( قُلْ فيهمَا ) * إذ المراد في تعاطيهما بلا ريب * ( إثْمٌ كبيرٌ ) * من حيث إن تناولهما مؤدّ إلى ما يوجب - الإثم - وهو ترك المأمور ، وفعل المحظور * ( وَمَنَافعُ للنَّاس ) * من اللذة والفرح وهضم الطعام وتصفية اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف ، وهي باقية قبل التحريم وبعده ، وسلبها بعد التحريم مما لا يعقل ولا يدل عليه دليل ، وخبر " ما جعل الله تعالى شفاء أمّتي فيما حرّم عليها " لا دليل فيه عند التحقيق كما لا يخفى . * ( وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ من نَّفْعهمَا ) * أي المفاسد التي تنشأ منها أعظم من المنافع المتوقعة فيهما ، فمن مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان ، وإذا كانت عدوّة للأشرف لزم أن تكون أخس الأمور لأن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يعقل - أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه - فإذا شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكن إلفها - وهو الطبع - فارتكبها وأكثر منها ، وربما كان ضحكة للصبيان حتى يرتد إليه عقله . ذكر ابن أبي الدنيا أنه مرّ بسكران وهو يبول بيده ويغسل به وجهه كهيأة المتوضىء ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً . وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك ؟ فقال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ، ومنها صدّها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإيقاعها العداوة والبغضاء غالباً . وربما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشرب ، ومنها أن الإنسان إذا ألفها اشتد ميله إليها وكاد يستحيل مفارقته لها وتركه إياها ، وربما أورثت فيه أمراضاً كانت سبباً لهلاكه ، وقد ذكَر الأطباء لها مضار بدنية كثيرة كما لا يخفى على من راجع " كتب الطب " ، وبالجملة لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفي فإنه إذا اختل العقل حصلت الخبائث بأسرها ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث " ولم يثبت أن الأنبياء عليهم السلام شربوها في وقت أصلاً . ومن مفاسد الميسر أن فيه أكل الأموال بالباطل وأنه يدعو كثيراً