الآلوسي

102

تفسير الآلوسي

لما لم يكن الاختلاف إلا من الذين أوتوه - فالاختلاف لا يكون سابقاً على البعثة - وحاصله أن المراد ههنا استحكام الاختلاف واشتداده ، وعبر عن - الإنزال بالإيتاء - للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق فإن - الإنزال - لا يفيد ذلك ، وقيل : عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين ، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم * ( من بَعْدَ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَينَاتُ ) * أي رسخت في عقولهم الحجج الظاهرة الدالة على الحق ، و * ( مِنْ ) * متعلقة ب * ( اختلفوا ) * محذوفاً ، والحصر على تسليم أن يكون مقصوداً مستفاد من المقام أو من حذف الفعل ، ووقوع الظرف بعد حرف الاستثناء لفظاً ، أو من تقدير المحذوف مؤخراً - وفي " الدرّ المصون " تجويز تعلقه بما اختلف قبله - ولا يمنع منه إلا كما قاله أبو البقاء ، وللنحاة في هذا المقام كلام محصله أنّ استثناء شيئين بأداة واحدة بلا عطف غير جائز مطلقاً عند الأكثرين ، لا على وجه البدل ولا غيره - ويجوز عند جماعة مطلقاً - وفصل بعضهم إن كان المستثنى منه مذكوراً مع كل من المستثنيين وهما بدلان جاز - وإلا فلا - واستدل من أجاز مطلقاً بقوله تعالى : * ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) * ( هود : 27 ) فإنه لم يذكر فيه المستثنى أصلاً ، والتقدير : ما نراك اتبعك أحد في حال إلا أراذلنا في بادي الرأي وأجاب من لم يجوّز بأن النصب بفعل مقدر أي : اتبعوا وبأنّ الظرف يكفيه رائحة الفعل فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره - قاله الرضيّ - وهو مبنى الاختلاف في الآية ، وقوله تعالى : * ( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * متعلق بما تعلق به * ( من ) * و - البغي - الظلم أو الحسد ، و * ( بينهم ) * متعلق بمحذوف صفة * ( بغياً ) * وفيه إشارة - على ما أرى - إلى أنّ هذا - البغي - قد باض وفرخ عندهم ، فهو يحوم عليهم ويدور بينهم لا طمع له في غيرهم ، ولا ملجأ له سواهم ، وفيه إيذان بتمكنهم في ذلك وبلوغهم الغاية القصوى فيه - وهو فائدة التوصيف بالظرف - وقيل : أشار بذلك إلى أنّ البغي أمر مشترك بينهم وأنّ كلهم سفل ، ومنشأ ذلك مزيد حرصهم في الدنيا وتكالبهم عليها * ( فَهَدَى اللَّهُ الَّذينَ ءَامَنُوْا لمَا اخْتَلَفُوْا فيه منَ الْحَقِّ بإذْنه ) * أي بأمره أو بتوفيقه وتيسيره ، و * ( من ) * بيان * ( لما ) * والمراد للحق الذي اختلف الناس فيه - فالضمير عام شامل للمختلفين السابقين واللاحقين - وليس راجعاً إلى " الذين أوتوه " كالضمائر السابقة ، والقرينة على ذلك عموم الهداية للمؤمنين السابقين على اختلاف أهل الكتاب واللاحقين بعد اختلافهم ، وقيل : المراد من * ( الذين آمنوا ) * أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والضمير في * ( اختلفوا ) * للذين أوتوه أي الكتاب ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : اختلفوا في يوم الجمعة ، فأخذ اليهود يوم السبت ، والنصارى يوم الأحد فهدى الله تعالى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة . واختلفوا في القبلة ، فاستقبلت النصارى المشرق ، واليهود بيت المقدس وهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة . واختلفوا في الصلاة ، فمنهم من يركع ولا يسجد ، ومنهم من يسجد ولا يركع ، ومنهم من يصلي وهو يتكلم ، ومنهم من يصلي وهو يمشي ، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك . واختلفوا في الصيام ، فمنهم من يصوم النهار والليل ، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام ، فهدى الله أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك . واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت اليهود : كان يهودياً ، وقالت النصارى : كان نصرانياً ، وجعله الله تعالى حنيفاً مسلماً فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك . واختلفوا في عيسى عليه الصلاة