الآلوسي

285

تفسير الآلوسي

ذلك الحيوان حتى كأن صار طباعه طباعه ، ونفسه نفسه ، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته ، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكمية ، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية . هي النفس إن تهمل تلازم خساسة * وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج * ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ باللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ االْجَاهِلِينَ ) * * ( وإذْ قَالَ مُوسى لقَوْمه إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) * بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقاً كان مستملاً على ذكر المساوي أيضاً من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك ، وقد يقال : هو على نمط ما تقدم ، لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين ، وأخروية لكونه معجزة لموسى عليه السلام . وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال : إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات ، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية - وليس بالبعيد - . وأول القصة : قوله تعالى : * ( وإذ قتلتم نفساً فادّارَأتُمْ فيها ) * ( البقرة : 72 ) الخ ، وكان الظاهر أن يقال - قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله - إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا ، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم ، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال ، وترك المصارعة إلى الامتثال ، ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة ، ولذهبت تثنية التقريع ، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص ، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد ، وقيل : إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى - بذبح البقرة - ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها - لكن المشهور خلافه - والقصة أنه عمد إخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما - أخي أبيهما - فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذلح بقرة وضربه ببعضها ليحيا ، ويخبر بقاتله ، وقيل : كان القاتل أخا القتيل ، وقيل : ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه ، وقيل : إنه كان - تحت رجل يقال له عاميل - بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان ، وقرأ الجمهور ( يأمركم ) بضم الراء ، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس - وإبدال الهمزة ألفاً ، و * ( أن تذبحوا ) * من موضع المفعول الثاني ليأمر ، وهو على إسقاط حرف الجر - أي بأن تذبحوا . * ( قَالُوا أتَتَّخذُنَا هُزُواً ) * استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أم لا ؟ فأجيب بذلك ، والاتخاذ كالتصيير ، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، و * ( هزواً ) * مفعوله الثاني ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف - كمكان ، أو أهل - أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى : * ( أحل لكم صيد البحر ) * ( المائدة : 96 ) أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل ، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء بضربها ، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعاداً لما قاله واستخفافاً به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق ، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به ، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة ، ومن هنا قال بعضهم : إن إجابتهم نبيهم - حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك - دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له