الآلوسي

264

تفسير الآلوسي

به عليهم في التيه وجاءهم عفواً بلا تعب ، وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : " الكمأة من المنّ الذي منّ الله تعالى به على بني إسرائيل " والسلوى اسم جنس أيضاً واحدها سلواة كما قاله الخليل . وليست الألف فيها للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله . كما انتفض السلوات من بلل القطر وقال : الكسائي : السلوى واحدة وجمعها سلاوي ، وعند الأخفش الجمع والواحد بلفظ واحد ، وقيل : جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشياً أو متى أحبوا فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل ، وقيل : إن ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي ، وفي رواية كانت تنزل عليهم مطبوخة ومشوية - وسبحان من يقول للشيء كن فيكون - وذكر السدوسي أن السلوى هو العسل بلغة كنانة ويؤيده ؛ قول الهذلي : وقاسمتها بالله جهراً لأنتم * ألذ من ( السلوى ) إذا ما نشورها وقول ابن عطية - إنه غلط - غلط ، واشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي عن غيرها وعطفها على بعض وجوه المنّ من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه . * ( كُلُوا منْ طَيِّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ ) * أمر إباحة على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين ، و - الطيبات - المستلذات وذكرها للمنة عليهم أو الحلالات فهو للنهي عن الإدخار ، و * ( من ) * للتبعيض ، وأبعد من جعلها للجنس أو للبدل ، ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات قائلاً إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل - بالمنّ والسلوى - فكانا بدلاً من الطيبات ، و * ( ما ) * موصولة والعائد محذوف - أي رزقناكموه - أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول ، واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك وهو أحد أقوال في المسألة . * ( وَمَا ظَلَمُونَا ) * عطف على محذوف أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا بذلك ، ويجوز - كما في " البحر " - أن لا يقدر محذوف لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلهاً ، وسؤال رؤيته تعالى ظلماً وغير ذلك فجاء قوله تعالى : * ( وما ظلمونا ) * بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقص ولا ضرر ، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه البتة . * ( وَلاكنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلمُونَ ) * بالكفران أو بما فعلوا إذ لا يتخطاهم ضرره ، وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق ، وفيه ضرب تهكم بهم ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم عليه ، وفي ذكر ( أنفسهم ) بجمع القلة تحقير لهم وتقليل ، والنفس العاصية أقل من كل قليل . * ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) * * ( وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَاذه القَرْيَةَ ) * منصوبة على الظرفية عند سيبويه ، والمفعولية عند الأخفش ، والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان موسى عليه السلام كالأوامر السابقة واللاحقة - والقرية - بفتح القاف - والكسر لغة أهل اليمن - المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة ، وقيل : إن قلوا قيل لها : قرية ، وإن كثروا قيل لها مدينة ، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة ، والجمع القرى على غير قياس ، وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جمّ