الآلوسي
260
تفسير الآلوسي
وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها - وهو مثل في الغباوة والبلادة - وقرأ أبو عمرو : * ( بارئكم ) * بالاختلاس ، وروي عنه - السكون - أيضاً وهو من إجراء المتصل من كلمتين مجرى المنفصل من كلمة ، وللناس في تخريجه وجوه لا تخلو عن شذوذ . * ( فَاْقتُلُوآ أنْفُسَكُمْ ) * الفاء للتعقيب ، والمتبادر من القتل القتل المعروف من إزهاق الروح - وعليه جمع من المفسرين - والفعل معطوف على سابقه ، فإن كانت توبتهم هو القتل إما في حقهم خاصة ، أو توبة المرتد مطلقاً في شريعة موسى عليه السلام ، فالمراد بقوله تعالى : * ( فتوبوا ) * اعزموا على التوبة - ليصح العطف - وإن كانت هي الندم والقتل من متمماتها - كالخروج عن المظالم في شريعتنا - فهو على معناه ولا إشكال ، وقد يقال : إن التوبة جعلت لهؤلاء عين القتل ولا حاجة إلى تأويل توبوا باعزموا ، بل تجعل - الفاء - للتفسير - كما تجعل الواو له - وقد قيل به في قوله تعالى : * ( فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ) * ( الأعراف : 136 ) وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه ، وفي بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً ، فمعنى * ( فاقتلوا أنفسكم ) * حينئذٍ ، ليقتل بعضكم بعضاً ، كما في قوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * ( النساء : 29 ) * ( ولا تلمزوا أنفسكم ) * ( الحجرات : 11 ) والمؤمنون كنفس واحدة ، وروي أنه أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده ، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل ، وسمى الاستسلام للقتل قتلاً على سبيل المجاز ، والقاتل إما غير معين ، أو الذين اعتزلوا مع هارون عليه السلام ، والذين كانوا مع موسى عليه السلام ، وفي كيفية القتل أخبار لا نطيل بذكرها ، وجملة القتلى سبعون ألفاً ، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشفار من أيديهم ، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل - بقتل أنفسهم - وقال : لا يجوز ذلك عقلاً - إذ الأمر لمصلحة المكلف - وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة ، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقاً - بأمره نستبقيها ؛ وبأمره نفنيها - وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو ، حياة سرمدية وبهجة أبدية ، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان ، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها ، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا - كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه ، ووال في بلد يسوسه - وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه ، أو يأمر غيره بإخراجه - وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة ، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما ، ومن الناس من جوّز ذلك - إلا أنه استبعد وقوعه - فقال : معنى * ( فاقتلوا أنفسكم ) * ذللوا ، ومن ذلك قوله : إن التي عاطيتني فرددتها * ( قتلت قتلت ) فهاتها لم ( تقتل ) ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيراً . ونقل عن قتادة أنه قرأ : ( فأقيلوا أنفسكم ) والمعنى أن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه ، وقد هلكت - فأقيلوها - بالتوبة والتزام الطاعة ، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات . * ( ذالكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عنْدَ بَارئكُمْ ) * جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معللة ، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم ، و * ( خير ) * أفعل تفضيل حذفت همزته ، ونطقوا بها في الشعر . قال الراجز : بلا خير الناس وابن الأخير وقد تأتي - ولا تفضيل - والمعنى : أن ذلكم خير لكم من العصيان والإصرار على الذنب - أو خير من ثمرة العصيان ، وهو الهلاك الدائم ، والكلام - على حد العسل - أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم .