الآلوسي

254

تفسير الآلوسي

* ( يذبحون ) * الخ ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى : * ( يلق أثاماً * يضاعف له العذاب ) * ( الفرقان : 68 ، 69 ) ، وقيل : بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم ، والمحققون على الفرق ، وحملوا * ( سوء العذاب ) * فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح ، وعطف للتغاير ، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق * ( وذكرهم بأيام الله ) * إبراهيم : 5 ) ، وهو يقتضي التعداد ، وليس هنا ما يقتضيه ، والأبناء الأطفال الذكور ، وقيل : إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل ، وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبي ، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج والتجمع لإفساد أمره ، والمشهور حمل الأبناء على الأول ، وهو المناسب المتبادر ، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل * ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) * ( الأحزاب : 38 ) وقرأ الزهري وابن محيصن : * ( يذبحون ) * مخففاً ، وعبد الله : * ( يقتلون ) * مشدداً * ( وَيَسْتَحْيُونَ نسَاءَكُم ) * عطف على * ( يذبحون ) * أي يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات ، وقيل : يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل - والحياء الفرج - لأنه يستحى من كشفه ، والنساء جمع المرأة ، وفي " البحر " إنه جمع تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة ، وزعم ابن السراج أنه اسم جمع ، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه ، وهي في الأصل البالغات دون الصغائر ، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساءً لخدمتهم ، وعلى الثاني فيه تغليب البالغات على الصغائر ، وعلى الثالث حقيقة ، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور . * ( وَفي ذالكمَ بَلاءٌ منَّ رِّبكُمْ عَظيمٌ ) * إشارة إلى التذبيح والاستحياء ، أو إلى الإنجاء ، وجمع الضمير للمخاطبين ، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار ، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري مجراه مع العباد على المشهور ، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا ، وتارة بالمضار ليصبروا ، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا - فإن حملت الإشارة على المعنى الأول : - فالمراد بالبلاء المحنة ، وإن على الثاني : فالمراد به النعمة ، وإن على الثالث : فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع بينهما ، ويرجح الأول : التبادر ، والثاني : أنه في معرض الامتنان ، والثالث : لطف جمع الترغيب والترهيب ؛ ومعنى * ( من ربكم ) * من جهته تعالى إما بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم أو بهما جميعاً ، و ( عظيم ) صفة ( بلاء ) وتنكيرهما للتفخيم ، والعظم بالنسبة للمخاطب ، والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئاً . ومن باب الإشارة : والتأويل : وإذ نجيناكم من قوى فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها ، والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود ، ومصر مدينة البدن المستعبدة ، وهي وقواها من الوهم ، والخيال ، والغضب ، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة الله تعالى يعقوب الروح ، والقوى الطبيعية البدنية من الحواس الظاهرة والقوى النباتية أولئك يكلفونكم المتاعب الصعبة ، والأعمال الشاقة من جمع المال ، والحرص وترتيب الأقوات والملابس وغير ذلك ، ويستعبدونكم بالتفكر فيها والاهتمام بها لتحصل لكم لذة هي في الحقيقة عذاب وذلة لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار ، والتمتع بدار القرار * ( يذبحون أبناءكم ) * التي هي القوى الروحانية من القوى النظرية التي هي العين اليمنى للقلب ، والعملية التي هي العين اليسرى له ، والفهم الذي هو سمعه ، والسر الذي هو قلبه * ( ويستحيون ) * قواكم الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها اللائقة بها . وفي ذلك - الإنجاء - نعمة عظيمة من ربّكم المرقي لكم من مقام إلى مقام ومشهد إلى مشهد حتى تصلوا إليه وتحطوا رحالكم بين يديه ، أو في مجموع ذلك امتحان لكم وظهور آثار الأسماء