الآلوسي
238
تفسير الآلوسي
إشارة إلى مزيد الفضل ، وقدم التواب لظهور مناسبته لما قبله ، وقيل في ذكر الرحيم بعده إشارة إلى أن قبول التوبة ليس على سبيل الوجوب - كما زعمت المعتزلة - بل على سبيل الترحم والتفضل ، وأنه الذي سبقت رحمته غضبه ، فيرحم عبده في عين غضبه - كما جعل هبوط آدم سبب ارتفاعه ، وبعده سبب قربه - فسبحانه من تواب ما أكرمه ، ومن رحيم ما أعظمه ، وإذا فسر التواب بالرجاع إلى المغفرة - كان الكلام تذييلاً - لقوله تعالى : * ( فتاب عليه ) * أو بالذي يكثر الإعانة على التوبة - كان تذييلا - لقوله تعالى : * ( فتلقى آدم ) * الخ ، وقرأ نوفل * ( أنه ) * بفتح الهمزة على تقدير - لأنه - . * ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * * ( قُلْنَا اهْبطُوا منْهَا جَميعاً ) * كرر للتأكيد ، فالفصل لكمال الاتصال - والفاء - في * ( فتلقى ) * ( البقرة : 37 ) للاعتراض ، إذ لا يجوز تقدم المعطوف عبى التأكيد ، وفائدته الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها - ولا يمهل - فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله عليه السلام وفراغ باله ، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة عليهم السلام ، وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له ، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول ، إذ ذكر إهباطهم أولاً : للتعادي وعدم الخلود ، والأمر فيه تكويني . وثانياً : ليهتدي من يهتدي ، ويضل من يضل ، والأمر فيه تكليفي ، ويسمى هذا الأسلوب في البديع - الترديد - فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين ، وقيل : إن إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين ، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم عليه السلام المقترن بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم ، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة حكمه تعالى ، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما ؟ ؟ فلو لم يعد الأمر لعطف * ( فإما يأتينكم ) * على الأول : فلا يفهم إلا إهباط مترتب عليه جميع هذه الأمور ، ويحتمل - على بعد - أن تكون فائدة التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك ، ولولا إرادته لما كان ما كان ؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان ، فهو قريب من قوله عز شأنه : * ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) * ( الأنفال : 17 ) وقال الجبائي : إن الأول : من الجنة إلى السماء . والثاني : منها إلى الأرض ، ويضعفه ذكر * ( ولكم في الأرض مستقر ) * ( البقرة : 36 ) عقيب الأول و * ( جميعاً ) * حال من فاعل * ( اهبطوا ) * أي مجتمعين ، سواء كان في زمان واحد أو لا ، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من سياق الكلام ، كما قيل به في * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * ( الحجر : 30 ) وأبعد ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدر محذوف أي هبوطاً جميعاً * ( فَإمَّا يَأْتيَنَّكُمْ منِّي هُدًى فَمَنْ تَبعَ هُدَايَ فَلاَ خَوفٌ عَلَيهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * . لا يدخل في الخطاب غير المكلف ، وأدرج الكثيرون إبليس لأنه مخاطب بالإيمان - والفار - لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر و ( إما ) مركبة من إن الشرطية و ( ما ) الزائدة للتأكيد ، وكثر تأكيد الفعل بعدها بالنون ، ولم يجب كما يدل عليه قول سيبويه : إن شئت لم تقحم النون ، كما أنك إن شئت لم تجيء بما وقد ورد ذلك في قوله : يا صاح أما تجدني غير ذي جدة * فما التخلي عن الخلان من شيمي وقوله : إما أقمت وإما كنت مرتحلا * فالله يحفظ ما تبقي وما تذر وحمل ذلك من قال بالوجوب على الضرورة وهو مما لا ضرورة إليه ، والقول بأنه يلزم حينئذ مزية التابع - الذي هو حرف الشرط على المتبوع وهو الفعل - يدفعه أن التابع ومؤكده تابع فلا مزية ، أو أن ( ما ) لتأكيد الفعل